وإن ما بعد هذا من الآيات في رسالة نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قد تكرر فيه جزاء الكافرين والمؤمنين في الآخرة لان مشركي العرب كانوا أكثر جدالا من كل قوم في البعث بعد الموت ، فترى بعدها كل جدال نوح وصالح لقومه في عقيدة التوحيد بعبادة اللّه وحده دون عقيدة البعث ، وزاد شعيب مسألة الامر والنهي في المكيال والميزان ، وانحصر انذار لوط في النهي عن الفحشاء والمنكر ، ثم ختم اللّه العبرة في هذه القصص بهلاكهم في الدنيا وعدم إغناء آلهتهم عنهم من شيء وهو دليل التوحيد وبعذاب الآخرة إذ عاد الكلام كما بدأ في إنذار مشركي أم القرى وما حولها من العرب فذكر اليوم الآخر وما فيه من الجزاء بتلك الآيات البليغة الممتازة
( 103 إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ )
الآيات - ولما بين فيها جزاء كل من فريقي الأشقياء والسعداء وخلودهم في النار والجنة استثنى بعد كل منهما استثناء لم يسبق له فيما قبله ولا فيما بعده من القرآن نظير في ذاته ولا في التفرقة بينهما وهو قوله في أهل النار
( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ )
وفي أهل الجنة
( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )
حار في هذا الاستثناء والتفرقة فيه بين الدارين المفسرون من علماء الآثار والمتكلمين والصوفية لتعارضه في الظاهر مع الآيات الكثيرة في خلود الفريقين وتأكيد بعضها بكلمة التأبيد ولكن أكثره في المؤمنين أصحاب الجنة حتى في الآيات التي فيها المقابلة بين الفريقين كما تراه في سورة النساء ( 4 : 56 مع 75 و 121 مع 122 ) وفي سورة التغابن ( 64 : 9 مع 10 ) وفي سورة البينة ( 98 : 6 مع 8 ) ففي هذه الآيات يؤكد خلود المؤمنين في الجنة بالتأبيد دون خلود الكافرين في النار ، كما يؤكده في آيات أخرى من سور كالنساء والتوبة والمائدة والطلاق بدون مقابلة ،
ومثل هذه الفروق لا تأتي في الذكر الحكيم جزافا أو عبثا أو عن غفلة ككلام البشر ، بل يتعين أن يكون لها حكمة في التشريع ، ونكتة في بلاغة التعبير ، ولا يقدر