مغزاه وقد سمي الرجل في بعضها بأبي اليسر ، ومنها حديث أبي أمامة عند أحمد ومسلم وأبي داود وغيرهم أن رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا رسول اللّه أقم فيّ حد اللّه - مرة أو مرتين - فأعرض عنه ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ منها قال « أين الرجل ؟ » قال أنا ذا ، قال « أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا ؟ » قال نعم ، قال « فإنك خرجت من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد » والمراد خرجت من خطيئتك التي طلبت تكفيرها بإقامة الحد وهي لاحد فيها وانما يجب في تكفيرها التوبة والعمل الصالح الذي يزكي النفس ، ومن أعظمها الوضوء التام وإقامة الصلاة ، وقد تاب الرجل توبة نصوحا بدليل طلبه إقامة الحد عليه ، والتوبة مع العمل الصالح تكفر الصغائر والكبائر إلا حقوق العباد ، فإنه يجب أداؤها أو استحلال أهلها منها إن أمكن . وذهب بعض العلماء إلى أن تكفير الحسنات للصغائر لا يشترط فيه التوبة إذا اجتنبت الكبائر ، ويقول الغزالي ان كل نوع من الحسنات يكفر ما هو ضده من السيئات ، كتكفير البخل بالانفاق والإساءة إلى الناس بالاحسان الخ
والآيات في تكفير السوء والسيئات المطلقة والمعينة كثيرة ، ومن الثاني كفارات الظهار ومحرمات الاحرام والحنث بالايمان ، وأمثال هذه لا يشترط فيها التوبة ، فذنوبها عارضة ليس من شهوات النفس تكرارها كالفواحش والمنكرات المدنسة للنفس باتباع الهوى والشهوات الباعثة على الاصرار ، فهذه لا يطهرها منها ويزكيها الا التوبة وإنما تتحقق التوبة بالندم على فعل الذنب المقتضي لتركه وإزالة أثره من النفس بالعمل الصالح ، فبجملة هذه المعاني الثلاث يحصل الرجوع إلى اللّه بعد الاعراض والبعد عنه بعصيانه ، وشرح الغزالي هذا المعنى للتوبة بقوله إنها مركبة من علم وحال وعمل كل منها سبب لما بعده ، فالعلم بحرمة الذنب وكونه سببا لسخط اللّه تعالى وعقابه يوجب الحال أي يحدثه وهو الخوف وألم النفس وهذا يوجب العمل وهو ترك الذنب وتكفيره بالعمل الصالح ا ه بالمعنى موجزا
وقد تكلمنا على التوبة في مواضع من هذا التفسير منها الكلام على توبة آدم في سورتي البقرة والأعراف ، ومنها في سورة النساء قوله تعالى ( 4 : 17
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
) إلى آخر الآيتين ،