إلى التوبة من الشرك والايمان معه ، ولم يكن أحد منهم مظنة الانقطاع لظلمة المشركين والانحطاط في هواهم والرضا بأعمالهم ، وأما زيارتهم ومصاحبتهم ومجالستهم والتزيي بزيهم وأمثال ذلك من العادات فلم يكونوا منهبين عنه ، بل كان زي المؤمنين وزيهم واحدا وعاداتهم لدنيوية واحدة ، إلا ما كان قبيحا نهى عنه الاسلام ، وكانت صلة الرحم معهم مشروعة زادها الاسلام تأكيدا ، وكذلك سائر فضائل المعاشرة .
ولما نزلت هذه السورة كان المسلمون ضعفاء في مكة والمشركون أقوياء فيها ، ولما نزلت سورة الممتحنة كان الامر بالعكس إذ كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عازما على الزحف بالمؤمنين لفتح مكة ، وكان الفصل فيها في معاملتهم للمشركين ان اللّه تعالى لا ينهاهم عن الذين لم يقاتلوهم في الدين أن يبروهم ويقسطوا إليهم وإنما ينهاهم عن الذين قاتلوهم في الدين . . . أن يتولوهم وينصروهم
( 4 ) وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي المتوفى سنة 543 في أحكام القرآن :
في الآية مسألتان ( الأولى ) الركون فيه اختلاف بين النقلة للتفسير وحقيقته الاستناد والاعتماد على الذين ظلموا ( المسألة الثانية ) قيل في الذين ظلموا انهم المشركون ، وقيل إنهم المؤمنون ، وأنكره المتأخرون ، وقالوا أما الذين ظلموا من أهل الاسلام فاللّه أعلم بذنوبهم ، لا ينبغي أن يصالح على شيء من معاصي اللّه ولا يركن اليه فيها ، وهذا صحيح لان هذا لا ينبغي لأحد أن يصحب على الكفر ، وفعل ذلك كفر ، ولا على المعصية ، وفعل المعصية معصية . قال اللّه في الأول
( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ )
وسيأتي إن شاء اللّه . وإن كانت في الكفار فهي عامة فيهم وفي العصاة ، وذلك على نحو من قوله
( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا )
الآية . وقال حكيم :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي
والصحبة لا تكون إلا عن مودة ، فان كانت عن ضرورة وتقية فقد تقدم ذكرها في آية آل عمران على المعنى ، وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار . ا ه وقد أصاب المعنى اللغوي والمأثور دون فقه الآية
وتبعه القرطبي المتوفى سنة 671 في تفسيره جامع احكام القرآن فنقل كلامه بدون عزو اليه ولم يزد عليه