تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وتصرف في الكسب من الناس بما نستطيع من حذق واحتيال ، وخديعة واهتبال ، وهو حجر على حريتنا ، وتحكم في ذكائنا ؟ ردوا بهذا وبما قبله عليه دعوته من جانبيها الديني والدنيوي نشرا مرتبا على لف ، ونقضا لما بنيت عليه من حجة وعطف ، ولذلك ذيلوه بما يشير إلى هذا النقض ، فقالوا بقصد التعريض والتنديد ،
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
الحليم العاقل الكامل في أناته وترويه فلا يتعجل بأمر قبل الثقة من صحته ، والرشيد الراسخ في هدايته وهديه ، فلا يأمر إلا بما استبان له من الخير والرشد ، ووصفه بهما وصفا مؤكدا بالجملة الاسمية وإن واللام في تعليل انكارهم لما أمرهم به وما نهاهم عنه كلاهما صريح في الاستهزاء به ، والتعريض بما يعتقدون من اتصافه بضدهما ، وهو الجهالة والسفه في الرأي ، والغواية في الفعل ، بهوس الصلاة ، قال ابن عباس ( رض ) يقولون انك لست بحليم ولا رشيد * * * 88
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي
أي يا قومي الذين أنا منهم وهم مني ، وأحب لهم ما أحب لنفسي ، أخبروني عن شأني وشأنكم إن كنت على حجة واضحة من ربي فيما دعوتكم اليه وما أمرتكم به وما نهيتكم عنه فكان وحيا منه لا رأيا مني
وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً
في كثرته وفي صفته وهو كسبه بالحلال بدون تطفيف مكيال ولا ميزان ، ولا بخس لحق أحد من الناس ، فانا مجرب في الكسب الطيب وما فيه من خير وبركة ، لا فقير معدم أخترع الآراء النظرية فيما ليس لي خبرة به ، أي أرأيتم والحالة هذه ما ذا أفعل وما ذا أقول لكم غير الذي قلته عن نبوة ربانية ، وتجارب غني مالية ؟ هل يسعني الكتمان أو التقصير في البيان ؟
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
أي وانني على بينتي ونعمتي ما أريد أن أخالفكم في ذلك مائلا إلى ما أنهاكم عنه مؤثرا لنفسي عليكم ، بل أنا مستمسك به قبلكم . وأصل المخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في قوله أو فعله أو حاله ، وأن يقال خالفه في الشيء ، فإذا خالفه فيما هو مول عنه تارك له قيل خالفه اليه ، وإذا خالفه فيما هو مقبل عليه قيل خالفه عنه ، وفي كل منهما تضمين الفعل معنى الميل اليه أو عنه ، أو الرغبة فيه أو عنه . ومن الثاني قوله تعالى
( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ