به لا تحصل أو لا تتيقن إلا بزيادة قليلة فهي قد تدخل في باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وتعمدها في الكيل أو الوزن للناس سخاء فهو فضيلة مندوب ، وفي الاكتيال أو الوزن عليهم طمع فهو رذيلة محظور
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ
هذا أعم مما سبقه فان البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء ، يقال بخسه ( من باب نفع ) حقه وبخسه ماله وبخسه علمه وفضله . والأشياء جمع شيء وهو أعم الالفاظ وجمعه يشمل ما للافراد وما للجماعات والأقوام من مكيل وموزون ومعدود ومحدود بالحدود الحسية ومن حقوق مادية ومعنوية . وقد فصلنا هذا وبينا العبرة فيه بتعامل أهل الشرق مع أهل الغرب في هذا العصر في تفسير سورة الأعراف ( 8 : 85 ) فتراجع في ص 528 من الجزء الثامن
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
اي ولا تفسدوا فيها حال كونكم متعمدين للافساد ، يقال عثي يعثى [ كرضي يرضى ] عثيا بكسرتين وتشديد الياء - وعثا يعثو [ كغزا يغزو ] عثوا بضمتين والتشديد أيضا - أفسد ، وهذا نهي آخر عام يشمل غير ما تقدم كقطع الطرق وتهديد الأمن والخروج على السلطان وقطع الشجر وقتل الحيوان ، وقيده بقصد الافساد لان بعض ما هو افساد في الظاهر قدير أدبه الاصلاح أو دفع أخف الضررين كالذي يقع في الحرب من قطع الأشجار ، أو فتح سدود الأنهار ، أو إحراق بعض الأشياء بالنار ، ومنه خرق الخضر للسفينة التي كانت لمساكين يعملون في البحر لمنع الملك الظالم الذي وراءهم من أخذها إذا أعجبته . والافساد تعطيل يشمل مصالح الدنيا وصفات النفس وأخلاقها وأمور الدين ، وكل هذه المفاسد فاشية في هذا العصر
* * *
86
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ
أي ما يبقى لكم بعد ايفاء الكيل والميزان من الربح الحلال ، خير لكم مما تأخذونه بالتطفيف ونحوه من الحرام ، أو بقية اللّه الأعمال الصالحة التي يبقى أثرها الحسن في الدنيا وثوابها في الآخرة ، وقال ابن عباس : هي رزق اللّه ، ومجاهد طاعة اللّه ، والربيع وصية اللّه . والفراء مراقبة اللّه ، وقتادة حظكم من اللّه
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
به حق الايمان فان الايمان هو الذي يطهر النفس من دناءة الطمع ، ويحليها بفضيلة القناعة والكرم والسخاء
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
فأحفظكم من هذه المعاصي والرذائل أو أعاقبكم عليها ، وإنما انا مبلغ عليم وناصح أمين