تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وأما المؤرخ ومريد الاطلاع فله أن يحصل من الظن ما ترجحه عنده ثقته بالراوي أو المؤرخ أو صاحب الرأي ، وما يذكره المؤرخون والمفسرون في هذه المسألة لا يخرج عن حد الثقة بالرواية أو عدم الثقة بها ، ولا تتخذ دليلا قطعيا على معتقد ديني وأما مسألة عموم الطوفان في نفسها فهي موضوع نزاع بين أهل الأديان وأهل النظر في طبقات الأرض ، وموضوع خلاف بين مؤرخي الأمم ، أما أهل الكتاب وعلماء الأمة الاسلامية فعلى أن الطوفان كان عاما لكل الأرض ، ووافقهم على ذلك كثير من أهل النظر ، واحتجوا على رأيهم بوجود بعض الأصداف والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال ، لأن هذه الأشياء مما لا تتكون إلا في البحر . فظهورها في رؤوس الجبال دليل على أن الماء صعد إليها مرة من المرات ، ولن يكون ذلك حتى يكون قد عم الأرض ، ويزعم غالب أهل النظر من المتأخرين ان الطوفان لم يكن عاما ولهم على ذلك شواهد يطول شرحها - غير أنه لا يجوز لشخص مسلم أن ينكر قضية ان الطوفان كان عاما لمجرد احتمال التأويل في آيات الكتاب العزيز ، بل على كل من يعتقد بالدين أن لا ينفي شيئا مما يدل عليه ظاهر الآيات والأحاديث التي صح سندها وينصرف عنها إلى التأويل إلا بدليل عقلي يقطع بأن الظاهر غير مراد ، والوصول إلى ذلك في مثل هذه المسألة يحتاج إلى بحث طويل ، وعناء شديد ، وعلم غزير في طبقات الأرض وما تحتوي عليه ، وذلك يتوقف على علوم شتى عقلية ونقلية ، ومن هذى برأيه بدون علم يقيني فهو مجازف لا يسمع له قول ، ولا يسمح له ببث جهالاته ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم » ا ه ( أقول ) خلاصة هذه الفتوى ان ظواهر القرآن والأحاديث ان الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم ، فيجب اعتقاده ولكنه لا يقتضي أن يكون عاما للأرض إذ لا دليل على أنهم كانوا يملؤن الأرض وكذلك وجود الأصداف والحيوانات البحرية في قلل الجبال لا يدل على أنها من أثر ذلك الطوفان بل الأقرب انه كان من أثر تكون الجبال وغيرها من اليابسة في الماء كما قلنا آنفا ، فان صعود الماء إلى الجبال أياما معدودة لا يكفي لحدوث ما ذكر فيها ، وقد قلنا في العلاوة الثانية ان هذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن ولذلك لم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 108 | الشيخ محمد رشيد رضا