تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
قال أصحاب القول الثاني : كان هذا بين الأوس والخزرج من الأنصار ولم يكن منه شيء بين المهاجرين ، أي وفيهم نزلت
( 3 : 103 وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً )
الخ ولكن هذا لا بمنع إرادة مجموع المهاجرين والأنصار ، فقد كانوا بنعمته اخوانا لم يقع بينهم تحاسد ولا تعاد كما هو شأن البشر في مثل هذا الشان ، كما ألف بين الأوس والخزرج فكانوا بنعمته إخوانا بعد طول العداء والعدوان ، وقد كاد يقع التغاير بين المهاجرين والأنصار عند قسمة الغنائم في حنين فكفاهم اللّه شر ذلك بفضله وحكمة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وقد كان عدد المهاجرين في غزوة بدر ثمانين رجلا أو زيادة كما ذكر الحافظ في فتح الباري وكان الباقون من الأنصار وهم تتمة ثلاثمائة وبضعة عشر . والعمدة في إرادة الفريقين أن التأييد بالفعل والنصر حصل بكل منهما في جميع الوقائع وكان المهاجرون في المرتبة الأولى في كل شيء لسبقهم إلى الايمان والعلم ، ونصر اللّه ورسوله في زمن القلة والشدة والخوف ، وقد أسند إليهم هذا النصر في سورة الحشر التي نزلت في غزوة بني النضير عند ذكر مراتب المؤمنين فقال في قسمة فيئهم
( 59 : 8 لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )
ثم قال في الأنصار
( 9 وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ )
الخ الآية ، وهي دليل على أن النصر ينال بالأسباب وأن ذلك يتوقف على التآلف والاتحاد ، وكل ذلك بفضل مقدر الأسباب ورحمته بالعباد . ولذلك قال
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
يعني أنه لولا نعمة اللّه عليهم بالايمان ، وأخوته التي هي أقوى عاطفة ومودة من اخوة الانساب والأوطان ، لما أمكنك يا محمد أن تؤلف بين قلوبهم بالمنافع الدنيوية ، ولو أنفقت جميع ما في الأرض من الأموال والمنافع في سبيل هذا التأليف ، أما الأنصار فلأن الاضغان الموروثة ، وأوثار الدماء المسفوكة ، وحمية الجاهلية الراسخة ، لا تزول بالاعراض الدنيوية العارضة ، وانما تزول بالايمان الصادق الذي هو مناط سعادة الدنيا والآخرة ،