تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وأما المهاجرون فلأن التأليف بين غنيهم وفقيرهم وسادتهم ومواليهم وأشرافهم ودهمائهم على ما كان فيهم من كبرياء الجاهلية وجمع كلمتهم على احتمال عداوة بيوتهم وعشائرهم وحلفائهم في سبيل اللّه لم يكن كله مما يمكن نيله بالمال وآمال الدنيا - ولم يكن في يد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شيء ، منهما في أول الاسلام ، ولكن صار بيده في المدينة شيء عظيم منهما بنصر اللّه له في قتال المشركين واليهود جميعا - وأما مجموع المهاجرين والأنصار فقد كان اجتماعهما لولا فضل اللّه وعنايته مدعاة التحاسد والتنازع لما سبق لهما من عصبية الجاهلية وما كان لدى المهاجرين من مزية قرب الرسول والسبق إلى الايمان به ، وما لدى الأنصار من المال والقوة وانقاذ الرسول والمهاجرين جميعا من ظلم قومهم ، ومن المنة عليهم بايوائهم ومشاركتهم في أموالهم ، وفي هذا وذك من دواعي التغاير والتحاسد ما لا يمكن أن يزول بالأسباب الدنيوية ، فهو تعالى يقول للرسول لست أنت المؤلف بينهم ،
وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
بهدايتهم إلى هذا الايمان بالفعل ، الذي دعوتهم اليه بالقول
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
وانما عليك البلاغ ، وهداية الدعوة والبيان ،
( 28 : 56 وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
بالدعاية ، وتدعو اللّه أنت ومن آمن معك بقوله
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
أي بالفعل والتوفيق والعناية . وهذا ثناء من اللّه عز وجل على صحابة رسول تفند مطاعن الرافضة الضالة الخاسرة فيهم لا يوجد سبب للتوحيد والتعاون بين البشر كالتآلف والتحاب ، ولا يوجد سبب للتحاب والتالف كأخوة الايمان ، قال ابن عباس ( رض ) قرابة الرحم تقطع ، ومنة النعمة تكفر ، ولم ير مثل تقارب القلوب ، وقرأ الآية . رواه البيهقي ، ورواه عبد الرزاق والحاكم عنه بلفظ : ان الرحم لتقطع ، وان النعمة لتكفر ، وان اللّه إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء . ثم قرأ
( لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ )
الآية وقد ورد من الأحاديث في التحاب في للّه ما ينبيء بشأن هذه الفضيلة ويرغب فيها ، واتفق حكماء البشر غابرهم وحاضرهم على أن المحبة أعظم الروابط بين البشر وأقوى الأسباب لسعادة الاجتماع الانساني وارتقائه . واتفقو أيضا على أن المحبة إذا فقدت لا يحل محلها شيء في منع الشر ، والوقوف عند حدود الحق ، إلا فضيلة العدل . ولما كانت المحبة وهبية غير اختيارية ، وكان العدل من الاعمال الكسبية ، جعل الاسلام المحبة فضيلة