قادرين على حفظهما بالدفاع عنهما ، وإضعاف شوكة الباغين المبطلين أو القضاء عليها ،
ولما كان السلم هو المقصود الأول كما أفاد مفهوم الآية السابقة ، أكده بمنطوق الآية اللاحقة ، فقال جلت حكمته ، وسبقت رحمته :
* * *
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
قرأ الجمهور السلم بفتح السين وأبو بكر بكسرها وهما لغتان .
وهي كالسلام الصلح وضد الحرب ، والاسلام دين السلم والسّلام
( 2 : 207 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً )
ولفظ السلم مؤنث كمقابله [ الحرب ] وبعض العرب يذكرهما .
وجنح للشيء واليه مال أو هو خاص بالميل إلى أحد الجناحين أي الجانبين المتقابلين كجناحي الطير والانسان والسفينة والعسكر وقالوا جنحت الشمس للغروب أي مالت إلى جانب الغرب الذي تغيب في أفقه وهو مقابل لجانب الشرق الذي تطلع منه ، ولا يقال جنحت للشرق لأننا لا نراها قبل شروقها مائلة إلى جانب غير الذي انقلبت عنه ، ولكن يقال جنح الليل بمعنى مال الذهاب وللمجيء . والمعنى : وان مالوا عن جانب الحرب إلى جانب السلم خلافا للمعهود منهم في حال قوتهم ، فاجنح لها أيها الرسول لأنك أولى بالسلم منهم . وعبر عن جنوحهم بأن التي يعبر بها عن المشكوك في وقوعه أو ما من شأنه ألا يقع للإشارة إلى انهم ليسوا أهلا لاختياره لذاته وانه لا يؤمن أن يكون جنوحهم اليه كيدا وخداعا ولذلك قال
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
اقبل منهم السلم وفوض أمرك إلى اللّه تعالى ، فلا تخف كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح إلى الغدر ، كما فعلوا بنقض العهد ، انه عز وجل هو السميع لما يقولون ، العليم بما يفعلون ، فلا يخفى عليه ما يخفى عليك من ائتمارهم وتشاورهم ، ولا من كيدهم وخداعهم
قيل إن الآية خاصة بأهل الكتاب لأنها نزلت في بني قريظة الذي نقضوا العهد كما تقدم في أول هذا السياق وان نظر فيه ابن كثير محتجا بأن السورة كلها نزلت في وقعة بدر ، وتقدم انها من أنباء الغيب ، ويرد التخصيص قبوله صلوات اللّه وسلامه عليه الصلح من المشركين في الحديبية وترك الحرب إلى مدة عشر سنين مع ما اشترطوا فيه من الشروط الثقيلة التي كرهها جميع الصحابة رضوان اللّه عليهم وكادت تكون فتنة ، وقيل إنها عامة ولكنها نسخت بآية السيف في سورة المائدة ، لان مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الاسلام ، وروي القول بنسخها عن ابن عباس ومجاهد وزيد بن