وأقول إن من سقطات ابن جرير اختياره له واستدلاله على بطلان سائر الأقوال التي رواها في معنى الآية وتقدم ذكرها بقوله تعالى
( لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ )
وزعمه أنهم كانوا يعلمون عداوة بني قريظة وفارس والمنافقين لهم قبل نزول الآية ، وهو غير مسلم على اطلاقه فأما نقض قريظة للعهد فقد اعتذروا عنه فقبل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عذرهم ولم يعاملهم معاملة الأعداء ولا سيما عند نزول هذه السورة عقب غزوة بدر ، وأما الفرس فلم تكن عداوتهم تخطر ببال أحد من المسلمين في ذلك العهد ، وكذلك المنافقون لم يكونوا يعدون من الأعداء الذين يرهبون باعداد قوى الحرب ورباط الخيل إذ لم يفضح الوحي كفر الكثيرين منهم الا بعد ذلك في غزوة تبوك وبقي باقيهم على ظاهر اسلامه ، قال ابن كثير بعد نقل الأقوال السابقة وما تقدم عنه في حديث عبد اللّه بن عريب : وقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المنافقون وهذا أشبه الأقوال ويشهد له قوله تعالى
( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )
اه وقال بعضهم بالوقف عن تعيينهم لقوله تعالى لنبيه
( لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )
ولكن عدم علمهم عند نزول الآية لا ينافي هذا العلم بعد ذلك . والمختار عندنا أن العبارة تشمل كل من ظهرت عداوته بعد ذلك لجماعة المسلمين من أعداء اللّه ورسوله ومن المبتدعين في دينه الكارهين لجماعة المسلمين كما تقدم بعد نقل عبارة السهيلي .
وقال الرازي في التعليل ثم إن اللّه تعالى ذكر ما لأجله أمر باعداد هذه الأشياء فقال
( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )
وذلك ان الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم وذلك الخوف يفيد أمورا كثيرة [ أولها ] انهم لا يقصدون دار الاسلام [ وثانيها ] انه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية [ وثالثها ] انه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى الايمان [ ورابعها ] انهم لا يعينون سائر الكفار [ وخامسها ] أن يصير ذلك سببا لمزيد الزينة ( ؟ ) في دار الاسلام
ثم قال في تفسير الآخرين من دونهم : والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم