تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
صار جميع أهل الحجاز الذين كفروا بما جاء به من الحق حربا له ، المشركون وأهل الكتاب سواء ، فناسب بعد ذلك أن يبين تعالى للمؤمنين ما يجب عليهم في حال الحرب التي كانت أمرا واقعا لم يكونوا هم المحدثين له ولا البادئين بالعدوان فيه ، كما أنه سنة من سنن الاجتماع البشري في المصارعة بين الحق والباطل ، والقوة والضعف ، وذلك قوله عز وجل * * *
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
الإعداد تهيئة الشيء للمستقبل ، والرباط في أصل اللغة الحبل الذي تربط به الدابة كالمربط [ بالكسر ] ورباط الخيل حبسها واقتناؤها - ورابط الجيش : أقام في الثغر ، والأصل أن يربط هؤلاء وهؤلاء خيولهم ثم سمى الإقامة في الثغر مرابطة ورباطا اهمن الأساس أمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بأن يجعلوا الاستعداد للحرب ( التي علموا أن لا مندوحة عنها لدفع العدوان والشر ولحفظ الأنفس ودعاية الحق والعدل والفضيلة ) بأمرين ( أحدهما ) إعداد جميع أسباب القوة لها بقدر الاستطاعة ( وثانيهما ) مرابطة فرسانهم في ثغور بلادهم وحدودها وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد ، والمراد أن يكون للأمة جند دائم مستعد للدفاع عنها إذا فاجأها العدو على غرة ، قوامه الفرسان لسرعة حركتهم وقدرتهم على الجمع بين القتال وإيصال أخباره من ثغور البلاد إلى عاصمتها وسائر أرجائها . ولذلك عظم الشارع أمر الخيل وأمر باكرامها . وهذان الأمران هما اللذان تعول عليهما جميع الدول الحربية إلى هذا العهد التي ارتقت فيه الفنون العسكرية وعتاد الحرب إلى درجة لم يسبق لها نظير بل لم تكن تدركها العقول ولا تتحيلها الافكار ومن المعلوم بالبداهة أن إعداد المستطاع من القوة يختلف امتثال الامر الرباني به باختلاف درجات الاستطاعة في كل زمان ومكان بحسبه ، وقد روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر انه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد تلا هذه الآية على المنبر يقول « ألا ان القوة الرمي » قالها ثلاثا ، وهذا كما قال بعض المفسرين من قبيل حديث « الحج عرفة » بمعنى أن كلا منهما أعظم الأركان في بابه ، وذلك ان رمي العدو عن بعد مما يقتله أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو دمح أو حربة ، وإطلاق الرمي في الحديث يشمل كل ما يرمى به العدو من سهم أو قديفة منجنيق أو طيارة