تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
وإنما كان الامر في الآية بمعنى الخبر لأنه انذار بالجزاء لا تكليف ، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالانشاء انه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما ، لان الأصل في الامر أن يكون للايجاب وهو حتم . ويمكن أن يقال إن الامر بما ذكر يتضمن الاخبار بسببه فيكون مؤكدا للخبر ببناء الحكم عليه ، ويقابله التعبير عن الامر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل ، وقال بعضهم : ان الامر هنا للتكوين ، كقوله تعالى
( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ )
اي كن قارئا بعد إذ كنت أميا باسم اللّه مبلغا عنه ، ثم وصف ربه بما يدل على قدرته على جعل الأمي قارئا بأنه خلق كل شيء وخلق الانسان من علق ، فجعله بعد ذلك سميعا بصيرا ، وعلم الانسان بالقلم ، علمه ما لم يعلم ، فكما فعل ذلك كله يجعلك قارئا باسمه عز وجل . والمعنى على هذا : فليكونوا بقدرتنا وتقديرنا قليلي الضحك كثيري البكاء ، لان سبب سرورهم وفرحهم بتخلفهم ونفاقهم قد زال ، واعقبهم الفضيحة والنكال ، ويؤيد كونه تكوينا قدريا ، لا تكليفا شرعيا ، جعله عقابا جزائيا لهم على عملهم بقوله :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
فان جزاء كل عمل من جنسه ، وكما يدين المرءيدان ، ثم بين تعالى ما يجب من الجزاء الذي يعاملون به في الدنيا قبل الآخرة مما يقتضي انقضاء عهد فرحهم وغبطتهم في دنياهم بالتمتع باحكام الاسلام الصورية والمعنوية فقال : * * *
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
فعل « رجع » يستعمل لازما كقوله تعالى
( فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ )
وقوله
( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ )
ومصدره الرجوع ، ويستعمل متعديا كهذه الآية ، وقوله
( فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ )
ومصدره الرجع . والفاء للتفريع على ما قبله لأنه مرتب عليه . والمعنى فان ردك اللّه أيها الرسول من سفرك هذا إلى طائفة منهم أي المخلفين من المنافقين ، وما كل من تخلف كان منافقا
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ
معك في غزاة أو غير غزاة مما تخرج لأجله
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً
اي لن يكون لكم شرف صحبة الايمان بالخروج معي إلى الجهاد في سبيل اللّه ولا إلى غيره كالنسك أبدا ما بقيت