وبالذات ،
فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
ما طلبوا من سعة رزقه
بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا
اي ما لبثوا أن بخلوا بما آتاهم عقب حصوله وأمسكوه فلم يتصدقوا بشيء منه ، وتولوا وانصرفوا عن الاستعانة به على الطاعة واصلاح حالهم وحال أمتهم كما عاهدوا وأقسموا ، ولم يكن توليهم هذا أمرا عارضا شغلهم عنه شاغل يزول بزواله ، بل تولوا
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
بكل قواهم عن الصدقة والعمل الصالح ، فكان الاعراض صفة راسخة فيهم حاكمة عليهم ، بحيث إذا ذكروا بما يجب عليهم لا يذكرون ، وإذا دعوا اليه لا يستجيبون ،
* * *
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ
يقال أعقبه الشيء إذا جعله عاقبة امره وثمرته - أي فأعقبهم اللّه تعالى أو اعقبهم ذلك البخل وتولي الاعراض ، بعد العهد الموثق بأوكد الايمان ، نفاقا راسخا في قلوبهم متمكنا منها ملازما لها
إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
للحساب في الآخرة ، لأنه بلغ المنتهى الذي لا رجاء معه في التوبة . ذلك
بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ
فذكر سببين هما أخص صفات المنافقين وأظهر الآيات الدالة على نفاقهم : اخلاف الوعد والكذب كما تقدم بيانه ونصوص الأحاديث فيه ، فكيف إذا كان الوعد للّه تعالى مع العهد والقسم ، وقد عبر عن اخلافهم الوعد بالفعل الماضي لأنه في حادثة وقعت ، وعبر عن كذبهم بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار ، لأن ذلك شأنهم الدائم الذي هو أخص لوازم النفاق ، فالمنافق مضطر إلى الكذب في كل وقت لان ظاهره يخالف باطنه ، ولا بد له من كتمان ما في باطنه واظهار خلافه دائما لئلا يظهر فيفتضح ويعاقب ، ولا يحصل ذلك إلا بالكذب . واسناد أعقابهم النفاق إلى اللّه تعالى أو إلى البخل والتولي عن الطاعة قولان للمفسرين مآلهما واحد ، الا ان الثاني آدب . وذلك ان سنته تعالى في البشر أن العمل بما يقتضيه النفاق يمكن النفاق ويقويه في القلب ، كما أن العمل بمقتضى الايمان يزيده قوة ورسوخا في النفس ، وهكذا جميع صفات النفس وأخلاقها وعقائدها ، تقوى وترسخ بالعمل الذي يصدر عنها ، فاسنادها إلى العمل يكون صحيحا بهذا الاعتبار لا بالمعنى الذي تقوله المعتزلة القدرية ، كما أن اسنادها