تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
ما حجبه النفاق عنهم من أنواره ، ومعارفه وفضائله ، ومن الفوائد الاجتماعية بأخوة المؤمنين وما فيها من الود الخالص ، والوفاء الكامل ، والايثار على النفس ، وغير ذلك من مزايا التعاون والاتحاد ، والحب والاخلاص ، التي قلما توجد أو تكمل في غير الاسلام - وأما في الآخرة فبما تقدم بيانه قريبا من وعد اللّه المؤمنين
وَإِنْ يَتَوَلَّوْا
عما دعوا اليه من التوبة بالاصرار على النفاق ، ومساويه المدنسة للأرواح المفسدة للأخلاق
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أما في الدنيا فبمثل ما تقدم من قوله تعالى
( 55 فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا )
وسيأتي مثله قريبا ، وقوله بعده في وصف ما يلازم قلوبهم من الفرق
( 57 لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ )
وفي معناه
( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ )
فهم في جزع دائم ، وهم ملازم ، وكذا ما ذكر آنفا في تفسير جهادهم ، وما ترى في بقية الآية من حرمانهم من كل ولي ونصير في العالم ، وما سيأتي من الآيات في هذه السورة من الشدة في معاملتهم - وأما في الآخرة فحسبك ما تقدم آنفا من وعيدهم
وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
أي وما لهم في الأرض كلها أدنى ولي يتولاهم ويهتم بشأنهم ، ولا أضعف نصير ينصرهم ويدافع عنهم ، لان من خذله اللّه وآذنه بحرب منه لا يقدر أحد أن يجيره منه ، وأما ناحية الأسباب الدنيوية فأبوابها قد أغلقت في وجوههم ، فان اللّه تعالى حصر ولاية الاخوة والمودة وولاية النصرة في المؤمنين والمؤمنات ، دون المنافقين والمنافقات ، فلن يجدوا بعد الآن أحدا من المسلمين يتولاهم أو ينصرهم بما يظهرون من الاسلام ، وقد كان منهم ما كان ، ولا من قبائلهم وأولي أرحامهم لان الاسلام قد أبطل عصبية الانساب - ولا من الغرباء بما كان يكون عند العرب من الجوار والحلف ، فقد قضى الاسلام على الجاهلية وجوارها ، ولا من أهل الكتاب أيضا - فان احلافهم منهم قد قضي عليهم في الحجاز ، بالقتل والجلاء ، ولا سبيل لهم إلى غيرهم في شاسع الأمصار ، على أن اللّه تعالى وعد المؤمنين بملك ، قيصر وكسرى ، وهكذا كان ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 557 | الشيخ محمد رشيد رضا