تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
على سواء » قال فرجع معاوية بالجيوش . فهذا صحابي وعظ قائدا صحابيا من الاستعداد للحرب في وقت عهد السلم فانعظ ورجع وفي هذه الآية والآثار الواردة في معناها من مراعاة الحق والعدل في الحرب ما انفرد به الاسلام دون الشرائع السابقة ، وقوانين المدنية اللاحقة . ومع هذه الفضائل والمزايا كلها يطعن دعاة النصرانية وغيرهم من مكابري الحق في هذا الدين ، وفي أخلاق من أنزل اللّه تعالى عليه هذه الأحكام الشريفة وقال له
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
ثم أنذر اللّه تعالى أولئك الخائنين بالفعل ما سيحل بهم فقال * * *
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص ( يحسبن ) بالمثناة التحتية والباقون بالفوقية وهذه القراءة أظهر ، ومعناها ولا تحسبن أيها الرسول أن هؤلاء الذين كفروا قد سبقونا بخيانتهم لك ونقضهم لعهدك بالسر مرة بعد مرة بأن أفلتوا من عقابنا متحصنين بعهدهم الذي يمنعك من قتالهم - ومثله قوله تعالى
( 29 : 3 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ )
- وأما القراءة الأولى فمعناها : ولا يحسبن حاسب أو أحد أن الذين كفروا قد سبقونا بما ذكر من نقضهم للعهد ، ومظاهرتهم لأهل الشرك في الحرب - أو لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقونا ونجوا من عاقبة خيانتهم وشرهم ، وقد علل هذا النهي بقوله عز وعلا :
إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ
قرأه الجمهور بكسر إن على الاستئناف ، وابن عامر بفتحها بتقدير لأنهم ، وحذف لام التعليل مطرد في مثل هذا . والمعنى أنهم لا يعجزون اللّه تعالى بمكرهم وخيانتهم لرسوله بمساعدة المشركين عليه ، بل هو سيجزيهم ويسلط رسوله والمؤمنين عليهم ، فيذيقونهم عاقبة كيدهم . وهذا كما قال في نبذ عهود المشركين في أول سورة براءة
( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ )
فهو قد أعلم رسوله بخيانتهم ، وأذن له بنبذ عهدهم ، ليحل له مناجزتهم القتال جزاء على مساعدتهم لأعدائه عليه وإغرائهم بقتاله وفي هذه الآية دليل على أن ما أوجبه الاسلام من المحافظة على العهود مع المحالفين من أعدائه المخالفين له في الدين ، وما حرمه من الخيانة لهم فيها ، وما شرعه من العدل والصراحة في معاملتهم - ليس عن ضعف ولا عن عجز ، بل عن قوة وتأييد