وقيل قريظة بناء على أن أصل الكلام في يهود المدينة وهم منهم ، وقيل زعماؤهم الذين تولوا عقد العهد معه صلّى اللّه عليه وسلّم بناء على أن أصل الكلام في بني قريظة ، وانما قال [ ينقضون ] بفعل الاستقبال مع أنهم كانوا قد نقضوه قبل نزول الآية لإفادة استمرارهم على ذلك وأنه لم يكن هفوة رجعوا عنها وندموا عليها كما سيأتي عن بعضهم ، بل إنهم ينقضونه ( في كل مرة ) وإن تكرر ، وهو يصدق على عهود طوائف اليهود الذين كانوا حول المدينة في جملتهم وهم ثلاث طوائف كما سيأتي ، ويصدق على بني قريظة وحدهم وكانوا أشدهم كفرا ، فقد روي أنه تكرر عهده صلّى اللّه عليه وسلّم لهم . قال بعض المفسرين وعزي إلى ابن عباس : هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأعانوا عليه بالسلاح في يوم بدر ثم قالوا نسينا وأخطأنا ، فعاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالؤا الكفار على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الخندق وركب زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم على محاربة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( وهم لا يتقون ) اللّه في نقض العهد ولا يتقون ما قد يترتب عليه من قتالهم والظفر بهم . وسيأتي بعض التفصيل لمعاملة نبي الرحمة ورسول السّلام صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود بعد تفسير هذه الآيات .
ثم بين تعالى حكمهم بقوله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
قال الراغب : الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله ومنه استعير المثاقفة ورمح مثقف وما يثقف به الثقاف . . . ( قال ) ثم يتجوز به فيستعمل في الادراك وإن لم تكن معه ثقافة . واستشهد بهذه الآية وغيرها ، وقال غيره هو يدل على ادراكهم مع التمكن منهم والظهور عليهم . وفيه إيذان بأنهم سيحاربونه صلّى اللّه عليه وسلّم لان نقض العهد يكون بالحرب أو بما يقتضيها ويستلزمها وذلك من أنباء الغيب ، إذ كان قبل وقوعه عقب غزوة بدر والمعنى فان تدرك هؤلاء الناقضين لعهدهم وتصادفهم في الحرب ظاهرا عليهم
فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
أي فنكل بهم تنكيلا يكونون به سببا لشرود من وراءهم من الأعداء وتفرقهم كالإبل الشاردة النادة اعتبارا بحالهم . والمراد بمن خلف يهود المدينة كفار مكة وأعوانهم من مشركي القبائل الموالية لهم فإنهم هم الذين تواطؤا مع اليهود الناكثين لعهده صلّى اللّه عليه وسلّم على قتاله ، وانما أمر اللّه تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالانحان في هؤلاء الأعداء الذين تكررت مسالمته لهم وتجديده لعهدهم بعد نقضه لئلا ينخدع مرة أخرى بكذبهم لما جبل عليه