من الرحمة وحب السلم وعده الحرب ضرورة اجتماعية تترك إذا زالت الضرورة الدافعة إليها على القاعدة العامة التي ستأتي في آية
( 61 وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها )
وهؤلاء اليهود أوهموه المرة بعد المرة أنهم يرغبون في السلم معتذرين عن نقضهم للعهد وكانوا في ذلك مخادعين . والدليل على أن هذا الامر بالغلظة عليهم والاتخان فيهم لتربيتهم واعتبار أمثالهم بحالهم دون حب الحرب أو الطمع في غنائمها قوله عز وجل
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
أي لعل من خلفهم من الأعداء يتعظون ويعتبرون فلا يقدمون على القتال ولا يعود المعاهد منهم لنقض العهد ونكث الايمان . وقد روى البخاري ومسلم انه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب الناس في بعض أيامه التي لقي فيها العدو فقال « يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو وسلوا اللّه العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف - ثم قال - اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم » وهذا يؤيد ما دلت عليه الآية من أن الحرب ليست محبوبة عند اللّه ولا عند رسوله لذاتها ولا لما فيها من مجد الدنيا وانما هي ضرورة اجتماعية يقصد بها منع البغي والعدوان ، وإعلاء كلمة الحق والايمان ، ودحض الباطل واكتفاء شر أهله ، بناء على سنة ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وتسمى في عرف عصرنا سنة الانتخاب الطبيعي
وهذا الارشاد الحربي في استعمال القسوة مع البادئين بالحرب والناقضين فيها لعهود السلم والتنكيل بالبادئين بالشر لتشريد من وراءهم متفق عليه بين قواد الحرب في هذا العصر ، ولكنهم يقصدون مع ذلك الانتقام وشفاء ما في الصدور من الأحقاد ، والسعي لا ذلال العباد ، والتمتع بالغنائم من مال وعقار ، دون الموعظة والتربية بالاعتبار
ثم بين تعالى حكم من لا ثقة بعهودهم من الكفار الذين يخشى منهم نقضها عندما تسنح لهم غرة فقال
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ
أي وإن تتوقع من قوم خيانة بنقض عهدك معهم بأن يظهر لك من الدلائل والقرائن ما ينذر به ، فاقطع عليهم طريق الخيانة لك قبل وقوعه ، بأن تنبذ إليهم عهدهم ، أي تعلمهم بفسخه وعدم تقيدك به ، ولا اهتمامك بأمرهم فيه - شبه ما لا ثقة بوفائهم به من