تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
الخوض في كتاب اللّه وفي رسوله وفي صفات اللّه تعالى ووعده ووعيده وجعلها موضوعا للعب والهزؤ كل ذلك من الكفر الحقيقي الذي يخرج به المسلم من الملة ، وتجري عليه به أحكام الردة ، إلا أن يتوب ويجدد اسلامه ثم قال تعالى
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ
الطائفة مؤنث الطائف ، من الطوف أو الطواف حول الشيء . والطائفة من الناس الجماعة منهم ومن الشيء القطعة منه ، يقال ذهبت طائفة من الليل ومن العمر ، وأعطاه طائفة من ماله ، وإذا أريد بالطائفة الجماعة كان أقلها ثلاثة على قول الجمهور في الجمع . والخطاب هنا للمعتذرين أو لجملة المنافقين ، فان كانت هذه الآية مما أمر اللّه رسوله أن يقوله لهم كالذي قبله فالمراد بالعفو والتعذيب ما يفعله ( ص ) في المدينة ، والا كان المراد ما سيكون في الآخرة ، والمعنى اننا ان نعف عن بعضكم بتلبسهم بما يقتضي العفو وهو التوبة والإنابة ( ومنهم مخشي بن حمير ) نعذب بعضا آخر باتصافهم بالاجرام ورسوخهم فيه وعدم تحولهم عنه ، أي بالاصرار على النفاق وما يستلزمه من الجرائم الظاهرة ، وهذا التقسيم عقلي إذ لا يخلو حالهم من التوبة أو الاصرار ، فمن تاب من كفره ونفاقه عفي عنه ، ومن أصر عليه وأظهره عوقب به ، فإن كان الوعيد من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمعناه ان هذا ما سننفذ حكم الشرع عليكم به عند الرجوع من دار الحرب إلى دار الاسلام ، لان دار الحرب لا تقام فيها الحدود وأمثالها من الاحكام ، والمختار عندنا انه من اللّه تعالى وأن المراد به عفو اللّه وتعذيبه في الآخرة . وقال الضحاك : يعني انه ان عفا عن طائفة منهم فليس بتارك الآخرين ( فان قيل ) انه بين سبب التعذيب وهو الاصرار على الاجرام ولم يبين سببا للعفو ، أفليس هذا دليلا على أنه لمحض الفضل ؟ ( قلنا ) ان ما بينه يدل على ما لم يبينه ، فإنه لما ذكر انهم كفروا بعد إيمانهم ، دل على أنهم استحقوا العذاب بكفرهم ، فبيانه بعد هذا لسبب تعذيب بعضهم دال على أن التعذيب ينتفي بانتفاء هذا السبب ، وانما يكون ذلك بترك النفاق وإجرامه والتوبة منهما ، والأدلة العامة تدل على أن الوعيد على الكفر لا بد من نفوذه على من لم يتب منه ، وان الوعيد على الذنوب بعضه ينفذ وبعضه يدركه العفو .