تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
المنافقين من بني عمرو بن عوف فيهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لهم يقال له مخشي بن حمير كانوا يسيرون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم واللّه لكأنا بكم غدا تقادون في الحبال . قال مخشي بن حمير : لوددت اني أقاضي ، فذكر الحديث مثل الذي قبله ، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود نحوه . والمعنى ان اللّه تعالى نبأ رسوله بما كان يقوله هؤلاء المنافقون في أثناء السير إلى تبوك من الاستهزاء بتصديه لقتال الروم الذين ملأ صيتهم بلاد العرب بما كان تجارهم يرون من عظمة ملكهم في الشام إذ كانوا يرحلون إليها في كل صيف ، نبأه نبأ مؤكدا بصيغة القسم انه إن سألهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها بأنهم لم يكونوا فيها جادين ولا منكرين ، بل هازلين لاعبين ، كما هو شأن الذين يخوضون في الأحاديث المختلفة للتسلي والتلهي ، وكانوا يظنون أن هذا عذر مقبول لجهلهم ان اتخاذ أمور الدين لعبا ولهوا ، لا يكون إلا ممن اتخذه هزوا ، وهو كفر محض ، ويغفل عن هذا كثير من الناس يخوضون في القرآن والوعد والوعيد ، كما يفعلون إذ يخوضون في أباطيلهم وأمور دنياهم ، وفي الرجال الذين يتفكهون بالتنادر عليهم والاستهزاء بهم وانما يستعمل « الخوض » فيما كان بالباطل لأنه مأخوذ من الخوض في البحر أو في الوحل ، فيراد به الاكثار ، والتعرض لتقحم الاخطار ، قال تعالى في سورتي الزخرف والمعارج
( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ )
وقال في سورة الطور
( فَوَيْلٌ
لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ )
وقال في سورة النساء
( 4 : 139 وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً )
وقد بينا في تفسير هذه الآية ان الخطاب فيها لكل من يظهر الاسلام من مؤمن ومنافق ، وانه يدخل في عمومها المبتدعون المحدثون في الدين ، والذين يخوضون في الداعين إلى الكتاب والسنة ويستهزؤن بهم لاعتصامهم بهما وإيثارهم إياهما على المذاهب المقلدة ( راجع ص 463 ج 5 تفسير )