تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
وبعد ان نبأ اللّه تعالى رسوله بما يعتذرون به لقنه ما يرد به عليهم بقوله
قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ
والمعنى ان الخوض واللعب إذا كان موضوعه صفات اللّه وأفعاله وشرعه وآياته المنزلة وأفعال رسوله وأخلاقه وسيرته كان ذلك استهزاء بها ، لان الاستهزاء بالشئ عبارة عن الاستخفاف به ، وكل ما يلعب به فهو مستخف به ، - وقد حررنا معنى اللفظ في تفسير ما أسنده تعالى إلى المنافقين من قولهم لشياطينهم
( إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ )
أي بقولنا للمؤمنين آمنا « 1 » كما أن من يحترم شيئا أو شخصا أو يعظمه فإنه لا يجعله موضوع الخوض واللعب . وتقديم معمول فعل الاستهزاء عليه يفيد القصر ، والاستفهام عنه للانكار التوبيخي ، والمعنى : ألم تجدوا ما تستهزؤن به في خوضكم ولعبكم الا اللّه وآياته ورسوله فقصرتم ذلك عليهما ، فهل ضاقت عليكم جميع مذاهب الكلام تخوضون فيها وتعبثون دونهما ، ثم تظنون ان هذا عذر مقبول فتدلون به بلا خوف ولا حياء ؟
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
أي قد كفرتم بهذا الخوض واللعب بعد إيمانكم ، فاعتذاركم اقرار بذنبكم ، وانما الاعتذار الادلاء بالعذر ، وهو بالضم ما يراد به محو الذنب وترك المؤاخذة عليه ، وأنتم قد جئتم بما يثبت الذنب ويقتضي العقاب ، أو هو كما قيل « عذر أقبح من الذنب » . يقال اعتذر إلي عن ذنبه فعذرته ( من باب ضرب ) أي قبلت عذره ورفعت اللوم عنه ، وهو على الراجح المختار مأخوذ من عذر الصبي يعذره - أي ختنه ، فعذره - تطهيره بالختان إذ هو قطع لعذرته أي قلفته التي تمسك النجاسة ( فان قيل ) ظاهر هذا انهم كانوا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سموه خوضا ولعبا ، وظاهر السياق أن الكفر الذي يسرونه ، هو سبب الاستهزاء الذي يعلنونه ، ( قلنا ) كلاهما حق ، ولكل منهما وجه ، فالأول بيان لحكم الشرع وهو أنهم كانوا مؤمنين حكما ، فإنهم ادعوا الايمان ، فجرت عليهم أحكام الاسلام ، وهي انما تبنى على الظواهر ، والاستهزاء بما ذكر عمل ظاهر يقطع الاسلام ويقتضي الكفر ، فبه صاروا كافرين حكما ، بعد أن كانوا مؤمنين حكما ، والثاني وهو ما دل عليه السياق هو الواقع بالفعل ، والآية نص صريح في أن
هامش
( 1 ) راجع ص 164 من جزء التفسير الأول