الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ )
وقد اقتبس أستاذنا الامام هذا الاستعمال فقال في مقالة له من مقالات العروة الوثقى : وكثير ممن على شكل الانسان يحيا حياته هذه بروح حيوان آخر وهو يعاني في تحصيل شهواتها - أو قال كلمة أخرى قريبة منها - أكثر مما يعانيه الانسان في ابراز مزايا الانسان .
وقال
( الَّذِينَ كَفَرُوا )
فعبر عنهم بفعل الكفر دون الوصف ( الكافرون ) للإشارة إلى أنهم كانوا مؤمنين فعرض لهم الكفر ، وهذا ظاهر في جملة اليهود الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما كفروا بمن قبله وهم في عرف القرآن متكافلون متشابهون آخرهم في ذلك كأولهم ، وهو أظهر في يهود المدينة الذين كانوا في عصر الرسالة المحمدية فإنهم كانوا يعلمون أن اللّه سيبعث النبي الكامل الذي بشر به موسى في التوراة كما تقدم مفصلا في تفسير سورة الأعراف ومجملا في سورة البقرة وغيرها . وكانوا يعلمون أنه يبعث من العرب لان من نصوص التوراة الموجودة إلى الآن أنه تعالى يبعث لهم نبيا مثل موسى بين بني إخوتهم أي بني إسماعيل ، وكانوا يطمعون في أن يكون هذا النبي منهم ويرون أنه يكفي في صحة خبر التوراة ظهوره بين العرب وإن لم يكن منهم ، لان النبوة بزعمهم محتكرة محتجنة لبني إسرائيل ، على ما اعتادوا من التحريف والتأويل
وقال
( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
لان كلمة « كفروا » لا تقتضي الثبات على الكفر دائما فعطف عليها الاخبار بأن كفرهم دائم لا يرجعون عنه في جملتهم ، حتى ييأس الرسول والمؤمنون مما كانوا يرجون من إيمانهم ، وهذا لا ينافي وقوع الايمان من بعضهم وقد وقع ، وهذا الخبر من أنباء الغيب ، ثم أيأسهم من ثباتهم على السلم الواجب عليهم بمقتضى العهد بعد إيئاسهم من اهتدائهم إلى الاسلام فقال :
* * *
* * *
* * *
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
فالذين هذه بدل من الأولى أو عطف بيان لها ، وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عقد مع يهود المدينة عقب هجرته إليها عهدا أقرهم فيه على دينهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم فنقض كل منهم عهده ، فقوله تعالى
[ مِنْهُمْ ]
قيل معناه أخذت العهد منهم ، وقيل « من » صلة والمراد عاهدتهم ، والمتبادر انها للتبعيض أي عاهدت بعضهم والمراد بهم طوائف يهود المدينة ولا يظهر التبعيض فيه إلا إذا كانت الآيات في يهود بلاد العرب كلهم ،