فكيف يكون أسوأ من الفقير في شدة الحاجة التي يستحق بها الصدقة ؟ وان كان أخص من الفقير بوصف المسكنة التي كان سببها الفقر فلا يظهر أن يكون المراد بها شدة الفقر وسوء الحال فيه لان ذكر الفقراء في هذه الحالة يغني عن ذكر المساكين لأنه يشملهم بعمومه لهم ، ويكون استحقاق الشديد الفقر للصدقة أولى من استحقاق من دونه فيه . فلا يصح في الكلام البليغ ان يقال أعط هذه الصدقة أو أطعم هذا الطعام للفقراء ولأشد الناس فقرا ، لان ذكر أشدهم فقرا بعد ذكر الفقراء يكون لغوا إلا أن يراد به الاضراب عما قبله ، وحينئذ يقال بل لأشدهم فقرا ، ولا يظهر هنا إرادة التأكيد للاهتمام ، فترجح أو تعين أن يراد بالمساكين من جعلتهم مسكنة الفقر أقل اضطرابا فيه وأكثر تجملا وسكونا لخفته عليهم وعدم وصوله بهم إلى الدرجة التي لا تطاق ولا يمكن إخفاؤها بالتجمل ، ولا يرد على هذا قوله تعالى
( أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ )
لان شدة الحاجة الملصقة بالتراب لا تنافي التجمل والتعفف . ويدل على هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، انما المسكين الذي يتعفف ، اقرءوا إن شئتم
( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً )
وفي لفظ « ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس » والحديث بلفظيه متفق عليه وهو صريح فيما اخترناه وإنما أطلنا في المسألة لتفنيد ما أطاله فيها كثير من المقلدين
فالفقراء في آية الصدقات هم المستحقون لها بفقرهم كما قال في آية سورة البقرة
( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )
وكما قال في مال الفيء من سورة الحشر
( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ، لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً )
ثم خص المساكين من الفقراء بالذكر لأنهم ربما لا يفطن لهم لتجعلهم
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعاذ لما بعثه إلى اليمن واليا وقاضيا « انك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه ، واني رسول اللّه ، فان هم .
أطاعوك لذلك فأعلمهم ان اللّه قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فان هم أطاعوك فأعلمهم ان اللّه قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد