( رابعا ) ان ما زعمتموه من احتمال أن يكون المراد من جملة
( إِنَّ اللَّهَ مَعَنا )
اثبات المعية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وحده لا يصدر مثله الا عنكم بالتبع لملاحدة سلفكم الباطنية الذين قالوا مثل هذا في الصلاة والصيام ، وغيرهما من العقائد وشرائع الاسلام ، فإنه مما يأباه اللفظ والأسلوب والسياق والمقام ، وانما يقصد بالكلام الافهام ، وما زعمتموه صريح في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أفهم صاحبه غير الحق وأراد أن يغشه ويوهمه بالباطل أن اللّه معهما ؟ حاش للّه وحاش لرسوله ، ما هذا إلا من نوع تحريف اليهود والباطنية لكلام اللّه ، بما لا يليق باللّه ولا برسوله . وهذه الجملة بعيدة أشد البعد عن جملة
( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
المراد بها استمالة الكفار المعاندين لاستماع حجج القرآن وكانوا
( يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ )
والترديد فيها حق فان أحد الفريقين على هدى أو في ضلال مبين ، لا مفر من ذلك في نظر العقل ، وهو لا يمنع أن يكون الواقع بالفعل أن المخاطب لهم وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الهدى وأن يكونوا هم في ضلال مبين
ولما كان أبو جعفر محمد بن علي الطبرسي من علماء العربية ومعتدلي الشيعة أبت عليه كرامة العلم أن يسفه نفسه بنقل جهالتهم التي نقلها الرازي والآلوسي للرد عليها ، فكان كل ما ضعف به مناقب الصديق ( رض ) في الآية ترجيح القول بان الضمير في قوله تعالى
( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ )
راجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واحتج عليه بما احتج غيره ممن رجحوا هذا القول من اتساق مرجع الضمائر - وقد علمت ما فيه - وأشار بعده إلى ما للشيعة من الكلام في ذلك وقال إنه أبى أن ينقله لئلا يتهم بما لا يحب أن يتهم به
( خامسا ) زعمكم أن عليا كرم اللّه وجهه هو المجهز لهم بشراء الإبل لم يثبت برواية صحيحة بل الثابت في الصحيح ما تقدم في حديث الهجرة الذي سردناه آنفا من شراء الصديق للراحلتين وأخذه صلّى اللّه عليه وسلّم لإحداهما بالثمن . ولو ثبت قولكم لم يكن دالا على ما زعمتموه كما هو ظاهر
هذا وانني أعتقد ان قائلي ما ذكره المفسرون من تحريف الرافضة للآية الكريمة وللأحاديث الشريفة في مناقب الصديق ليسوا من الجهل باللغة العربية بحيث يعتقدون صحة ما قالوا وما كتبوا ، وانما هم قوم بهت ، يجحدون ما يعتقدون ، ويفترون الكذب وهم يعلمون ، ويحرفون الكلم عن مواضعه كاليهود الأولين