تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
الفعل وما وقع عليه وما لا بسه لا شأن له عندكم في كونه حقا أو باطلا أو فضيلة أو رذيلة . وما قلتموه في الصحبة يجري مثله في الهجرة فإنه ثبت في الحديث الصحيح كما هو ثابت في الواقع ان الهجرة قد تكون إلى اللّه ورسوله وقد تكون لأجل منفعة دنيوية أو امرأة يريد المهاجر أن يتزوجها . وإذ كان كل منهما يسمى هجرة فالمهاجرون عندكم سواء في أنه لا فضيلة لهم ولا أجر عند اللّه تعالى خلافا لنصوص القرآن ( ثانيهما ) ان الايمان باللّه تعالى والعبادة الخالصة له لا يعدان عندكم من الفضائل لأنهما مشتركان في الاسم مع الايمان بالجبت والطاغوت وعبادة الشيطان والأوثان فقد قال اللّه تعالى
( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ )
الآية وقال
( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ )
وقال
( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ )
وقال
( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ )
وإذا نحن انتقلنا إلى طبيعة الصحبة ، وما فيها من العلم والحكمة ، نقول إن ما هذى به الروافض من صحبة المؤمن للكافر ونحوها انما يصح في الصحبة الاتفاقية العارضة ، كصحبة يوسف لمن كان معه في السجن ، والرجلين الذين ضرب المثل بهما في سورة الكهف ، دون صحبة المودة ولا سيما الدائمة ، وذلك أن صحبة المودة الاختيارية لا تكون الا بين المتشاكلين في الصفات والافكار ، كما يدل عليه حديث « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم . وقد تعارفت روحا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبي بكر من قبل الاسلام فائتلفتا ، وزادهما الاسلام تعارفا وائتلافا ، حتى أنهما لم يفترقا في وقت من الأوقات ولا في طور من الأطوار ، وقد مهد صلّى اللّه عليه وسلّم السبيل لاجتماع قبريهما إذ أرشد الأمة إلى دفنه في بيت عائشة الصديقة ( رض ) وهو يعلم أنها لا بد أن تدفن والدها بجانبه . وعلماء التربية والاخلاق يعدون الصحبة والمعاشرة ركنا من أركان اقتباس كل من الصاحبين من الآخر ، فيحثون على صحبة الأخيار ، ويحذرون من صحبة الأشرار ، قال الشاعر الحكيم :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي