أَجْراً عَظِيماً
*
دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً
*
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ *
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ )
الخ
وقد أجمع المسلمون على أن المهاجرين السابقين الأولين أفضل من سائر المؤمنين ، وورد في فضائل الهجرة آيات وأحاديث كثيرة معروفة ، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع ان أبا بكر ( رض ) أول المهاجرين وأنه امتاز بهجرته مع الرسول نفسه باذن ربه ورغبته صلّى اللّه عليه وسلّم من قبل الاذن الإلهي له ، إذ منع أبا بكر من الهجرة وحده انتظارا منه لاذن اللّه تعالى له بهجرته معه كما تقدم في الحديث الصحيح - فلا غرو أن يكون له كل ما علمنا من المزايا في الهجرة وان يكون بها أفضل المهاجرين بعد سيد المهاجرين صلّى اللّه عليه وسلّم وأن تكون صحبته أفضل وأكمل من صحبة غيره . وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث مغاضبة عمر له على مسمع من الصحابة « فهل أنتم تاركو لي صاحبي » اشعار بأنه الصاحب الا كمل له صلّى اللّه عليه وسلّم فهو قد أضافه إلى نفسه كما أضافه اللّه تعالى اليه في كتابه ، إذ الإضافة هنا كالإضافة في قوله تعالى
( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ )
إضافة تشريف واختصاص ، فان جميع الخلق عبيد اللّه
( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً )
وقد قال بعض الفقهاء ان من أنكر صحبة أبي بكر رضي اللّه عنه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحكم بردته عن الاسلام لتكذيبه بنص القرآن . وهاتان منقبتان في الصحبة والهجرة جعلناهما واحدة .
وقد يثلثهما انه لم يكن معه صلّى اللّه عليه وسلّم حين وصل إلى دار الهجرة والنصرة من أصحابه السابقين الأولين غير أبي بكر ( رض ) فهو أول من رآه معه جماعة الأنصار ( رض ) وأول من صلى معه من المهاجرين أول جماعة وأول جمعة ظهرت بها شعائر الاسلام
( الثانية عشرة ) حكاية اللّه عز وجل عن نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال له « لا تحزن » فكونه ( ص ) يعنى بتسليته وطأمنته أمر عظيم ، واخبار اللّه بذلك فيما يتعبد به المؤمنون إلى يوم القيامة أمر أعظم . وناهيك بتعليله بما علله به من معية اللّه عز وجل لهما . وهذا النهي عن الحزن لم يرد في غير هذا الموضع من القرآن خطابا من قبله تعالى إلا للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم - وورد خطابا من الملائكة للوط عليه السّلام - وقد علل في آخر سورة النحل بمعية اللّه تعالى للمتقين والمحسنين ، وعلل هنا بالمعية التي هي أخص منها وأعلى كما تقدم شرحه
« تفسير القرآن الحكيم » « 57 » « الجزء العاشر »