تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
فان اللفظ مطلق فيجب جريانه على اطلاقه وعمومه وأولئك الأحبار والرهبان يدخلون فيه أولا وبالذات بدلالة السياق ، لأنهم هبطوا في المطامع المادية إلى أسفل الدركات والكنز في اللغة جمع الشيء ورصه بعضه على بعض ومنه كنيز اللحم ومكتنزه أي صلبه وشديده وكنزت الحب في الجراب فاكتنز فيه ، وكنزت الجراب إذا ملأته جدا قاله في الأساس ، وقال الراغب : الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في الوعاء الخ والمراد بالكنز هنا خزن الدنانير والدراهم في الصناديق أو دفنها في التراب وامساكها وما يلزمه من الامتناع عن انفاقها فيما شرعه اللّه من البر والخير ، وسيأتي بيان مصارفها الشرعية في آية
( 9 : 60 إِنَّمَا الصَّدَقاتُ )
من هذه السورة . وانث الضمير في ينفقونها وما قبله مثنى لان المراد بالذهب الدنانير وبالفضة الدراهم المضروبة من كل منهما لا جنس الذهب والفضة ومعدنهما الذي يصدق بالحلي المباح وغيره ، فان الدراهم والدنانير هي المعدة للانفاق ، والوسيلة للمنفعة والارتفاق ، ولا فائدة فيها إلا في انفاقها ، فكنزها ابطال لمنافعها ، فهو من سخف العقل ، وعصيان الشرع ، وكل مثنى له أفراد لكل من نوعيه يجوز ارجاع الضمير بعده إلى جملة الافراد من نوعيه كقوله تعالى
( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا )
وقيل إن المراد بضمير ينفقونها الأموال التي ذكر أنهم يأكلونها بالباطل ويترجح هذا على قول من يخص الكلام بهم والمختار خلافه وظاهر قوله
( وَلا يُنْفِقُونَها )
أن الواجب انفاقها كلها ، وأن الوعيد موجه إلى من يبقي عنده شيئا يزيد على حاجته منها ، وهذا لا يصح في قواعد الشرع الاسلامي فان اللّه وصف المؤمنين في كتابه بقوله
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ *
*
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ
*
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) *
وقال
( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
* و
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ )
وانما قال بعض العلماء انه يجب التصدق بجميع ما أحرزه الانسان من المال الحرام إذا تعذر رده إلى أصحابه ، دون انفاق جميع ما يملك من الحل ، ولو كانت الآية فيمن ذكر من أهل الكتاب كما قال معاوية لكان الامر ظاهرا ، وأما على القولين الآخرين فلا بد من الجمع بينها وبين الآيات المعارضة لها ، وفي الروايات المأثورة ما يدل على أن الصحابة ( رض ) عنهم فهموا من الآية وجوب انفاق جميع ما يملك