فصل استطرادي ( في هيمنة القرآن على التوراة والإنجيل وشهادته لهما وعليهما )
( إن قيل ) ان ما ذكرت يبطل الثقة بالكتب التي بها سمى اللّه اليهود والنصارى أهل الكتاب حتى التوراة والإنجيل ، وقد شهد القرآن المجيد لليهود بأن عندهم التوراة فيها حكم اللّه وأمرهم بان يحكموا بما أنزل اللّه فيها على سبيل الاحتجاج عليهم كما أمر أهل الإنجيل بمثل ذلك وقال في نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ووصف الناجين منهم بقوله
( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ )
وهم يحتجون على المسلمين بهذه الآيات ومن دعاة النصارى ( المبشرين ) من ألف كتابا في ذلك سماه ( شهادة القرآن لكتب أنبياء الرحمن ) فبطلان الثقة بما عندهم من التوراة والإنجيل يستلزم بطلان الثقة بالقرآن ، ويكون حجة لملاحدة التعطيل على بطلان جميع الأديان ، فما جوابك عن هذا ؟
( قلت ) قد سبق الجواب عن هذه الشبهة في هذا التفسير وفي ( المنار ) ونعيده الآن بأسلوب آخر لزيادة البيان ، فأما أهل الكتاب فحجتهم علينا بما قالوا إلزامية لا حقيقية لأنهم لا يؤمنون بالقرآن فلا تنفعهم فيما ذكر من الطعن في ثبوت كتبهم ، وهم يكتفون من إغواء المسلمين بتشكيكهم في دينهم ، ظنا منهم أنهم إذا كفروا بدينهم يسهل إدخالهم في النصرانية ولو نفاقا كالكثير من أهلها ، لأنها أدنى إلى استباحة جميع شهوات الدنيا
( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً )
ولكن هذا الالزام لا يتم لهم علينا إلا إذا أخذت شهادة القرآن على هذه الكتب مع شهادته لها وقبول حكمه فيها ، لأنه نص على أنه مهيمن رقيب له السيطرة عليها ، إذ قال بعد ذكر التوراة والإنجيل من سورة المائدة
( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ )
ومما حكم به على اليهود والنصارى جميعا انهم نسوا حظا عظيما مما ذكروا به فيما أنزله اللّه عليهم ، وأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب لا الكتاب المنزل كله ، وانهم مع هذا حرفوه وبدلوه ، وقد بينا هذا كله في مواضعه من