ومن ثم كان التحقيق عندنا معشر المسلمين أن نؤمن بالتوراة والإنجيل بالاجمال ، وبأن ما ورد النص عندنا بأنه من حكم اللّه تعالى كحكم رجم الزاني الذي ورد فيه
( وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ )
نجزم بأنه مما أوحاه اللّه إلى موسى عليه السّلام ، وما دل النص على كذبهم فيه ككون هارون عليه السّلام هو الذي صنع لهم العجل الذهبي الذي عبدوه ، وكون سليمان قد ارتد وعبد الأوثان وكون لوط زنا بابنته - فإننا نجزم بكذبه ، وأما ما احتمل الصدق والكذب فإننا لا نصدقهم ولا تكذبهم فيه . واليهود والنصارى في هذا سواء عندنا ، وتقدم بيان حالهم في نسيان حظ عظيم من إنجيل عيسى عليه السلام « 1 »
ويمكننا أن نستدل بهذا التحقيق وبتحقيق مسألة كلمة اللّه وروح اللّه ( روح القدس ) التي ضل فيها قدماء الوثنيين وتبعهم النصارى ، الذي جاءنا على لسان النبي الأمي الذي لم يقرأ شيئا من كتب أهل الكتاب ولا من التواريخ العامة ولا الخاصة على أنه وحي من اللّه تعالى عالم الغيب والشهادة ، فإنه هو التحقيق المعقول الذي ينطبق على نقول التواريخ وحكم العقل ، ولم يسبق إلى بيانه أحد من أهل الكتاب ولا من غيرهم . كما أنه لا يسع عاقلا منصفا رده . ولا يعقل ان محمد ( ص ) عرفه برأيه لان الرأي في مثل هذا يبنى على معلومات كثيرة لم يكن له ولا لقومه علم بشيء منها ، وقد قال اللّه تعالى له بعد ذكر قصة نوح من سورة هود المكية
( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )
ولم يعترض عليه أحد من أعدائه من قومه المشركين فيقول بل نعلمها ، وهي من القصص المشهورة عن أهل الكتاب ، واين كانوا من علم أهل الكتاب ؟ ولا يعقل أيضا ان يكون اخذ حكمه على التوراة والإنجيل عن أحد من اليهود أو النصارى لا لأنه لم يكن يوجد أحد منهم في بلده فقط بل لأنهم لم يكونوا يعلمون ذلك ولأنهم لو علموه لما قالوه لأنه طعن فيهم وفي دينهم - فلم يبق بعد ظهور صدقة الا الجزم بكونه وحيا من عالم الغيب ووجها من وجوه إعجاز القرآن السافرة النيرة
هامش
( 1 ) راجع ص 106 من مجلد المنار السادس