تفسير الآيات الناطقة به « 1 » وفي الرد على المبشرين ومواضع أخرى من المنار « 2 »
وأما الملاحدة الذين استدلوا بنصوص التواريخ مع دلائل العقل على فقد تلك الكتب وعدم الثقة بشيء من الموجود منها ، فجوابنا لهم أن حكم اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم قريب من حكمهم عليها من ناحية فقد الثقة بها ولكن في جملتها . لا في كل جملة منها . فحكمه أدق وأصح في نظر العقل ، مع صرف النظر عن كونه لا يعقل أن يكون إلا بوحي اللّه عز وجل . ذلك بأن قوله في اليهود
( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )
مع قوله
( أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) *
هو المعقول فان العقل لا يتصور أن تنسى أمة كبيرة جميع شريعتها بفقد نسخة الكتاب المدونة فيه وقد عملت به في عدة قرون . وكذا قوله انهم حرفوا الكلم عن مواضعه ، وذلك ثابت بالشواهد الكثيرة من زيادة ونقصان وتغيير وتبديل ، كما بينه الشيخ رحمة اللّه في كتابه إظهار الحق وغيره . واليهود يعترفون بان عزيرا ( عزرا ) كتب ما كتب من الشريعة بعد فقدها باللغة الكلدانية لا بلغة موسى عليه السّلام وكان يضع خطوطا على ما يشك فيه . فالمعقول أنه كتب ما ذكره وتذكره هو ومن معه دون ما نسوه وكان منه الصحيح قطعا ، ومنه المشكوك فيه ومنه الغلط ، ومن ثم وجد التحريف ولا محل هنا للاتيان بالشواهد على هذا .
وبناء على هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الينا » الآية . رواه البخاري في صحيحه ، وسببه أن عمر ( رض ) كان قد نسخ شيئا من التوراة بالعربية وجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنكره صلّى اللّه عليه وسلّم عليه كما رواه أحمد والبزار من حديث جابر وقال « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، وانكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ، واللّه لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي » فعلم من ذلك أن فيما عندهم ما هو حق وهو ما أوتوه ، وما هو باطل وهو ما حرفوه ، ودع ما فقد وهو ما نسوه
هامش
( 1 ) راجع ص 155 - 160 و 265 ج 3 و 136 ج 5 و 93 و 282 - 285 و 287 - 303 و 389 - 402 و 410 - 412 ج 6 و 251 - 299 ج 9
( 2 ) راجع فهارس محلدات المنار ولا سيما ص 106 من المجلد السادس وهو أهمها