عقابه في الدنيا بالذل والنكال ، بفقد السيادة والاستقلال ، الذي عم جميع الشعوب والأجيال ، إلا هذه البقية القليلة الفقيرة من العرب والعجم ، وهي مهددة في كل آن بالخطر ، وهذا السعي الواجب لا يرجى نجاحه إلا بنظام سري محكم يراعي فيه حال الزمان واختلاف استعداد الشعوب الاسلامية المختلفة الحكومات والمذاهب والمشارب ، تقوم به جمعيات دينية وسياسية وخيرية توجه جهودها كلها إلى غرض واحد لا يعرف حقيقتة الا أفراد قليلون من القائمين بها
وأما الأمر الجهري الذي يجب على العالم الاسلامي في جملته ومختلف شعوبه السعي له قبل كل شئ فهو صيانة الحجاز من النفوذ الأجنبي الذي يهدده باستيلاء دولتي انكلترة وفرنسة على سكة الحديد الحجازية ، وبالحاق منطقة العقبة ومعان بشرقي الأردن الواقع تحت السيطرة الانكليزية . بل يجب على كل مسلم أن يفعل كل ما يقدر عليه في هذه السبيل من عمل إيجابي أو سلبي بالانفراد أو الاشتراك مع غيره ، ومنه المقاطعة التجارية وغيرها وبث الدعاية لذلك . أعنى أنه يجب على كل مسلم البدء بالجهاد الديني بأنواعه الثلاثة التي تقدمت من قول ومال ونفس بقدر الامكان ، وبث الدعوة لذلك في كل مكان .
يقول بعض علماء الاحصاء البشري العام إن عدد المسلمين قد بلغ أربعمائة مليون نسمة أو يزيدون ، فهل يرضون لأنفسهم وهم يملكون من بقاع الأرض ما يزيد على مساحة أوربة كلها أضعافا أن يكونوا أذل وأحقر وأجبن من اليهود الصهيونيين الذين لا يبلغون عشر عشرهم ، وهم يرونهم يقدمون على انتزاع فلسطين منهم ؟ ويرون مع هذا أن حرم اللّه تعالى وحرم الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه مهددان بالخطر بعد ثالثهما وهو المسجد الأقصى ، قد انتقصا من أطرافهما ، واغتصبت السكة الحديدية الوحيدة الموصلة إليهما ، وهم ساكنون ساكتون ، ودينهم يوجب عليهم إعادة دار الاسلام وحكم الاسلام ، إلى ما كان عليه في سالف الأيام ، على اختلاف الدرجات التي بيناها في صدر هذا الفصل . فمم يخافون ؟ وعلى أي شيء يحرصون ؟ ولم يعيشون ؟
لقد دلت أفعال المسلمين في الحرب العامة الأخيرة إذ كانوا يقاتلون دفاعا عن مستذليهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 320
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٢٠