فقد عجزت بقايا هداية النصرانية عن صد غشيان هذه الظلمات لأعظم ممالكها ، بعد ان ثارت سحبها من أفق مدارسها ، فكيف تقوى على تقشيع هذه السحب بعد تكاثفها ، وقد كانت هي نفسها من أسباب حدوثها ؟
هذا ما يفكر فيه خواص المسلمين في هذا العهد ويشاركهم الدهماء فيما هو من ضروريات الاسلام ، وهو انه دين سيادة وسلطان وتشريع ، وحكومة شورية يحميها نظام حربي جامع بين القوة والرحمة والعدل ، وانه قد اعتدى عليه الفاتحون المستعمرون فسلبوا ممالكه العامرة الخصبة أولا ، ثم هاجموه في مهد ولادته ، وبيت تربيته ، ومعقل قوته ( وهو جزيرة العرب ) حتى وصل عدوانهم إلى مشرق نوره ، وقبلة صلاته ، ومشاعر نسكه ، وروضة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ( وهو الحجاز ) حيث حرم اللّه وحرم رسوله . باستيلائهم على السكة الحديدية الحجازية في سورية وفلسطين وبما ألحقوه بشرقي الأردن من أرض الحجاز نفسها
كان المعتدون على دار الاسلام يحسبون كل حساب لقيام المسلمين بنهضة عامة باسم ( الجامعة الاسلامية ) لاستعادة ما سلب منهم ، وكانوا يحسبون كل حساب لتعلقهم بالدولة العثمانية ، وقد اعترفوا لها بمنصب ( الخلافة الاسلامية ) فما زالوا يجاهدون هذه الخلافة وتلك الجامعة بأنواع الجهاد المقرر في الشريعة الاسلامية وهي السيف والمال واللسان ولقلم ( أي العلم ) حتى صرفوا وجوه الشعوب الاسلامية عن الجامعة الاسلامية إلى الجامعتين الجنسية والوطنية ، وهدموا هيكل الخلافة العثمانية بأيدي حماتها من الترك أنفسهم ، ودفعوا حكومة هذا الشعب الاسلامي الباسل من حيث لا تدري إلى محاربة الدين الاسلامي نفسه بأشد من محاربتهم هم له بمدارسهم التبشيرية واللادينية ، وبكتبهم وصحفهم ونفوذهم ، فاعتقدوا أنه قد تم لهم بهذا فتح العالم الاسلامي ، وانه لم يبق عليهم لاتمام هذا الفتح الا القضاء الأخير على مهده الديني ، وعلى شعبه وأنصاره من قوم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا ما جرأهم على ما أشرنا اليه آنفا وكانوا فيه مخطئين ، وفي محاولته مسيئين ، وكنا من إساءتهم مستفيدين
أما الخلافة العثمانية المتغلبة فكانت هيكلا وهميا خادعا للمسلمين باتكالهم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 314
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣١٤