واختلف في كونهم أهل كتاب أو شبهة كتاب وقد تقدم ذلك مجملا ، وسيعاد مفصلا . وجمهور الفقهاء على أن حكم جميع الوثنيين حكم مشركي العرب في أنهم لا يقبل منهم الا الاسلام أو السيف وقال بعضهم تقبل منهم الجزية ، فالأصناف أربعة ( الأول ) مشركو العرب وهؤلاء لا تقبل منهم الجزية بالاجماع ( الثاني ) اليهود والنصارى على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم - وهؤلاء تقبل منهم الجزية بنص القرآن . وقيل الا العرب منهم ( الثالث ) المجوس والصابئون وقد قبل الصحابة ومن بعدهم من أمراء المسلمين الجزية منهم وسنذكر ما قال الفقهاء في ذلك ( الرابع ) ما عدا هذه الأصناف الثلاثة من الوثنيين وغيرهم ولا نص عليهم في الكتاب ولا في السنة ، وعندنا أن أمرهم اجتهادي يحكم فيهم أولو الأمر من المسلمين بما يرون فيه المصلحة ككل مسكوت عنه . وجمهور الفقهاء يدخلونهم في عموم المشركين ولا سيما الآية التي يسمونها آية السيف . والحق ما قررناه في تفسيرها من أن المراد بالمشركين فيها مشركو العرب فهو عام مراد به الخصوص من أول وهلة كأهل الكتاب ويؤيد هذا ما تقدم من الآيات في تعليل قتالهم وأدلته وكذا الأحاديث الناطقة بوجوب جعل جزيرة العرب خاصة بالمسلمين وما ذكرناه من حكمة ذلك ، وقد لاحظ هذه الحكمة الإمام أبو حنيفة وصاحبه الإمام أبو يوسف ( رح ) ولكنهما جعلا غرض الشارع أن يكون جنس العرب كله مسلما سواء كان في جزيرته أو غيرها فلا تقبل من أحد منهم الجزية عندهما ، وفي هذا من مخالفة السنة ما يأتي . وانما أصابا في قولهما إن الجزية تقبل من جميع العجم مهما تكن مللهم وأديانهم ، وعلى هذا المذهب جرى عمل الدول الاسلامية في كل فتوحاتهم لبلاد الملل الوثنية كالهند وغيرها فلم يحاولوا استئصال أهل ملة منهم . وأما كونهم مشركين بالفعل فمثلهم فيه أهل الكتاب كما شهد عليهم القرآن ولكن الشرك طرأ عليهم وليس من كتابهم ، ولو ثني الهند والصين وغيرهم كتب قديمة مشتملة على التوحيد كما بيناه في موضع آخر .
واننا نفصل أحكام الجزية بايراد جملة ما أورده صاحب منتقى الاخبار من الأحاديث المرفوعة والموقوفة ونقفي عليه ببيان مذاهب أئمة علماء الأمصار في ذلك
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 299
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٢٩٩