تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
دخله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واضعا رأسه منحنيا على فرسه ، حتى أن ذقنه تكاد أن تمس سرجه ، تواضعا لربه ، وخضوعا لعظمته ، واستكانة لعزته ، أن أحل له حرمه وبلده ، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده ، وليبين سبحانه لمن قال : لن نغلب اليوم عن قلة ، - أن النصر إنما هو من عنده وانه من ينصره فلا غالب له ، ومن يخذله فلا ناصر له غيره ، وأنه سبحانه هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين . فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر ، مع بريد النصر ، ( فأنزل
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها )
وقد اقتضت حكمته ان خلع النصر وجوائزه انما تفيض على أهل الانكسار
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ )
ومنها أن اللّه سبحانه لما منع الجيش غنائم مكة فلم يغنموا منها ذهبا ولا فضة ولا متاعا ولا سبيا ولا أرضا كما روى أبو داود عن وهب بن منبه قال : سألت جابرا هل غنموا يوم الفتح شيئا ؟ قال لا وكانوا قد فتحوها بايجاف الخيل والركاب وهم عشرة آلاف وفيهم حاجة إلى ما يحتاج اليه الجيش من أسباب القوة ، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم وسبيهم معهم نزلا وضيافة وكرامة لحزبه وجنده ، وتمم تقديره سبحانه بأن اطمعهم في الظفر ، وألاح لهم مبادئ النصر ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا ، فلما انزل اللّه نصره على رسوله وأوليائه وبردت الغنائم لأهلها ، وجرت فيها سهام اللّه ورسوله ، قيل لا حاجة لنا في دمائكم ولا في نسائكم وذراريكم ، فأوحى اللّه سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة ، فجاءوا مسلمين ، فقيل إن من شكر إسلامكم وإتيانكم أن نرد عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم ، و
( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
ومنها أن اللّه سبحانه افتتح غزو العرب بغزوة بدر ، وختم غزوهم بغزوة حنين . ولهذا يقرن بين هاتين الغزائين بالذكر فيقال بدر وحنين ، وان كان بينهما سبع