تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
فقال « اما واللّه لو شئتم لقلتم فصدّقتم وصدقتم : اتيتنا مكذّبا فصدقناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فواسيناك » ورواه أحمد باسناد صحيح من حديث انس بلفظ « أفلا تقولون جئتنا خائفا فآمناك ، وطريدا فآويناك ، ومخذولا فنصرناك ؟ » فقالوا بل المنّ علينا لله ولرسوله . اه وأقول هذا من عجائب تواضعه ولطفه ودقائق حكمته وسياسته ( ص ) ذكر ما لعله يختلج في مثل تلك الحال في قلوب بعضهم بعد ذكر بعض ما من اللّه تعالى به عليهم من النعم بهدايته وما كانوا قبلها إلا قبيلتين من قبائل العرب المتعادية المتباغضة لاهمّ لإحداهما إلا الفتك بالأخرى فصاروا أعز العرب ومفخر الاسلام والمسلمين ونزل فيهم
( 4 : 102 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا . وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً )
الآية . وأثنى عليهم في آيات أخرى يتعبد الملايين من جميع الشعوب بتلاوتها إلى يوم القيامة . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما فرغ من خطبته بكى القوم حتى اخضلت لحاهم بالدموع رضي اللّه عنهم . وقد بين المحقق ابن القيم في الهدي ما في هذه الغزوة من الحكم والاحكام فنذكر منها ما يتعلق بتفسير الآيات من العبرة والحكمة وهو قوله نفع اللّه بعلمه وحكمته :

فصل في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة ( من المسائل الفقهية ، والنكت الحكمية )

كان اللّه عز وجل قد وعد رسوله وهو صادق الوعد أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا ودانت له العرب بأسرها فلما تم له الفتح المبين اقتضت حكمته تعالى ان أمسك قلوب هوازن ومن تبعها عن الاسلام وأن يجمعوا ويتألبوا لحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين ، ليظهر أمر اللّه وتمام إعزازه لرسوله ونصره لدينه ، ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح ، وليظهر اللّه سبحانه رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها فلا يقاومهم بعد أحد من العرب ، ولغير ذلك من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين ، وتبدو للمتوسمين ، فاقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم ، ليطأمن رءوسا رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما