الصديق الأكبر انه لم يسأله صلوات اللّه وسلامه عليه شيئا لنفسه ولا الدعاء
وإذا صح للانسان حب اللّه وحب رسوله وكمل فيهما ، صارت سائر أنواع الحب الحيواني والنفسي والمادي تابعة وممدة لهما ، حتى تغرق أو تفنى فيهما . فهو يعطي كل ذي حق حقه من الحب الشرعي الفطري ، ويسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل اللّه ، توسلا به إلى لقاء اللّه . وكذلك كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم .
وتأمل ما كان من تحريض الخنساء ( رض ) لأولادها على الجهاد بشعرها حتى قتلوا واحدا بعد واحد ، فقالت وهي التي يضرب المثل بحزنها على أخويها في الجاهلية :
الحمد للّه الذي أكرمني بشهادتهم . وما فقد المسلمون السيادة في الدنيا والاستعداد لسعادة الآخرة الا بالحب المادي لأنفسهم ولشهواتهم ، وإيثاره على حب اللّه ورسوله الذي هو مناط سعادتهم ، والجهاد في سبيله الذي كان مناط سيادتهم ، وكان من عقابهم على ذلك ابتلاؤهم ببذل أنفسهم وأموالهم في سبيل أعدائهم .
ولا نجاة لهم الا بتربية أنفسهم على توطينها على الموت في سبيل اللّه . فمن لم يتح له الموت في جهاد العدو ، فعليه بطلب الموت الإرادي في جهاد النفس ، فلا حياة الا بعد موت ، والموت آية الحب الصادق
فان شئت أن تحيا سعيدا فمت به * شهيدا وإلا فالغرام له أهل
وله من العبرة في الآيات التالية ، ما يجعل هذا المعاني المعقولة مشاهدة ماثلة ، والدلائل الشرعية ، وقائع حسية ، في آثار النبي المختار ، وإيثار الأنصار ، والفرق بين المؤمنين الراسخين منهم ومن المهاجرين ، وبين المؤلفة قلوبهم والمنافقين ، فيما كان من خذلان وهزيمة ، ومن نصر وغنيمة .
* * *
( 25 ) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 26 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ