فالذي ينبغي لنا ان نستفيده من ذلك ان نذكر في قلوبنا عند رؤية كل شيء من صنع اللّه ، وسماع كل صوت من مخلوقات اللّه ، انه يسبح بحمد اللّه ، بدلالته على تنزيهه عما لا يليق به ، وعلى قدرته وحكمته ومشيئته ورحمته ، وان لها تسبيحا آخر غيبيا لا نفقهه بكسبنا لأننا لا ندرك حياتها ( راجع ص 400 ج 7 ) وقد يكون إدراكه ثمرة روحية لمن زكت أنفسهم بذكر اللّه وتسبيحه ، وخرجوا به من ظلمات الأهواء والشهوات إلى نور قدسه ،
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً )
ومن أقام فرائض اللّه تعالى كما أمر ، وترك معاصيه كما نهى ، وداوم على التقرب اليه بالنوافل كما ندب ، وأكثر من ذكره كما أحب ، فإنه يصل بفضل اللّه إلى المقام الذي أشار اليه الحديث القدسي « وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » الحديث ، تفرد به البخاري وفي سنده كمتنه غرابة
ومن المعلوم بالبداهة أن ذات اللّه تعالى لا تكون صفة أو عضوا لغيره - ولا ذات المخلوق أيضا - وإنما المعنى المتبادر من الحديث انه تعالى يكون هو الشاغل الأعظم لسمع من أحبه إذا سمع وبصره إذا أبصر الخ ولهذا مراتب ( أولها ) انه لا يوجه سمعه إلا لما يعلم أنه يحبه ويرضيه ( ثانيها ) انه يذكره تعالى بقلبه ولسانه عند كل إدراك وكل عمل فيزداد به معرفة وعلما ، وهو ما كان موضوع كلامنا في السماع آنفا ( ثالثها ) أنه يكون موضوع عناية اللّه وتصرفه فيما يسمعه على حد
( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ )
أي انه تعالى يخلق له عند سماع ما يسمع ورؤية ما يبصر من العلم بصفاته وسننه في خلقه ما لم يكن يعلمه فيطلبه ويقصد إليه فيكون من كسبه كما هو شأنه في المرتبتين الأوليين الكسبيتين ( رابعها ) ما يسمونه الفناء في اللّه وهو أن يغيب العبد عن شهود نفسه ، والشعور بإرادته وحسه ، ويبقى له الشعور بأنه مظهر من مظاهر بعض صفات ربه ، وموضع تجلي ما شاء من أسمائه وصفاته ، حتى يكون عز وجل هو الغالب على امره ، كما