تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
من قبيل حب الطبع ، وغلبته على حب كل شيء حتى النفس ، فهو كمال لا يحصل الا بعد الرسوخ في الايمان وهو ليس ببعيد ، فكثير من العشاق للحسان يصلون إلى هذه الدرجة ، وأكثر هؤلاء الحسان غير أهل لعشر هذا الحب ، لولا انه من أمراض النفس ، فأين منه حب من هو مصدر لكل جمال وكمال وحسن وإحسان ، يتجلى في كل ما عرف البشر من نظام الأكوان ، وهم لم يعرفوا منه إلا القليل ؟ والطريق إلى هذه المعرفة والحب كثرة الذكر والفكر ، وتدبر القرآن مع التزام سائر أحكام الشرع ، وانما الذكر ذكر القلب ، مع حسن النية وصحة القصد ، وتأمل سننه وآياته . في الخلق ، بأن تذكر عند رؤية كل حسن وجمال وكمال في الكون انه من اللّه عز وجل ، وأن تذكره عند سماع كل صوت من ناطق مفهوم ، وصامت معلوم ، كخرير المياه ، وهزيز الرياح ، وحفيف الأشجار ، وتغريد الأطيار ، وكذا نغمات الأوتار ، وتتذكر أنها تسبح بحمد اللّه ، ومن صنع اللّه الذي أتقن كل شيء ، كما قال تعالى في تسبيح نبيه داود عليه السّلام في زبوره
( 88 : 17 إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ )
والمحفوظ عند أهل الكتاب في خاتمة الزبور وهو المزمور المائة والخمسون : « سبحوا اللّه في قدسه ، سبحوه في فلك قوته ، سبحوه على قواته ، سبحوه بصوت الصّور ، سبحوه برباب وعود ، سبحوه بدف ورقص ، سبحوه بأوتار ومزمار ، سبحوه بصنوج التصويت ، سبحوه بصنوج الهتاف ، كل نسمة فلتسبح الرب ، هللويا » اه وفي المزامير كثير من هذه التسابيح في المعازف وكان من شريعة موسى عليه السّلام ، ولكنه ليس من ديننا وشعائر شريعتنا ، والتحقيق ان شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، ولم يأذن اللّه تعالى لنا أن نحدث شيئا في دينه بآرائنا وأهوائنا ، وهو قد أكمل لنا الدين ، وبلغنا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ان « كل بدعة ضلالة » وقال « من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد » متفق عليه ، وقد ابتدع بعض الصوفية إدخال المعازف والرقص في ذكر اللّه بما يجتمعون له فيجعلونه من قبيل الشعائر ، وإنما الذي نطق به كتاب اللّه ، إثبات تسبيح كل شيء للّه ، قال تعالى
( 17 : 43 تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )