وفواضله وسياسته ورياسته وسائر هديه ، قد خصه اللّه بجعله خاتم النبيين ، وإرساله رحمة للعالمين ، وجعل اتباعه هو الدليل على حب متبعه لله عز وجل ، وجعل جزاءه عنده حبه تعالى لمتبعه ، ومغفرته لجميع ذنوبه ، وذلك نص آية ( 3 : 31 ) آل عمران التي ذكرناها آنفا ، وسنزيد هذا الحب وحب اللّه تعالى بيانا في هذا المقام ، وقد عطف عليهما الجهاد في سبيله منكرا لأنه أظهر آياتهما ، ونكتة تنكيره وإبهامه إفادة أن كل نوع من أنواع الجهاد في سبيل اللّه قل أو كثر فان تاركه لأجل حب شيء من تلك الأصناف الثمانية وتفضيلها عليه يستحق الوعيد الذي في الآية . والجهاد أنواع ترجع إلى جنسين الجهاد بالمال والجهاد بالنفس والقتال نوع من أنواع الجنس الثاني ومنها أنواع أخرى علمية وعملية ، فمهندس الحرب الحق العادلة مجاهد في سبيل اللّه ، وواضع الرسوم لمواطنها وطرقها كذلك الخ
وإذا كان الامر كذلك - وهو كذلك - فلا ريب أن من كان ما ذكر من الأصناف الثمانية كلها أو بعضها أحب اليه من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فهو غير تام الايمان أو غير صحيحه كما تشير اليه آية المائدة [ 5 : 75 ] التي استشهدنا بها آنفا . فقوله عز وجل
( فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ )
وعيد أبهم لتذهب أنفسهم فيه كل مذهب ، وأقرب ما يفسر به قوله في وعيد المنافقين من هذه السورة
( 9 : 52 قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ؟ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا )
وما كان أولئك الذين يؤثرون حب أهلهم وأموالهم على حب اللّه ورسوله والجهاد في سبيله الا من المنافقين ، فهم الذين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد ويوحون إليهم زخرف الاعتراض على نبذ عهود المشركين ، وإعلان حالة الحرب بينهم وبين المؤمنين ، كما بيناه مرارا . وما روي عن مجاهدان المعنى حتى يأتي اللّه بالامر بالهجرة وان هذا كله كان قبل فتح مكة - فما أراه يصح عنه وقد تقدم نقل الاتفاق على نزول هذه الآيات ( وكذا السورة جلها أو كلها ) بعد فتح مكة وغزوة حنين وتبوك وانها مما بلغ للمشركين في موسم سنة تسع بعد سقوط فريضة الهجرة بنص حديث « لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا » رواه البخاري من حديث مجاشع بن مسعود مرفوعا . ورواه في مواضع أخرى بلفظ « بعد الفتح » من حديث ابن عباس ( رض ) والوعيد هنا على ترك الجهاد دون الهجرة