تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
وساقه بغريزة الفطرة وحكم الشريعة لتربيته ، وهو عز وجل رب كل شيء ، المربي الحق لكل حي ، بسننه في الغرائز والقوى والاخلاق ، وما يترتب عليها من الاعمال ، وهو جل ثناؤه الخلف والعوض من كل والد ليتيمه ، ومن كل ولد لأبيه وأمه ، ومن الطبيعي المعقول أن يكون حب الأخ لأخيه كذلك بالأولى ، وكذلك حب الزوج للزوج لا يشذ عن هذه القاعدة فهو الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى ، وهو الذي أودع المحبة الزوجية في الأنفس ، ولم يخصها بفرد معين
( 30 : 19 وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )
وحب العشيرة أحق وأولى بالدخول في عمومها ، فان الباعث عليه التعاون والتناصر بوشيجة القرابة ، وقد حل محلها في الاسلام ما هو أقوى وأعظم ، وهو تناصر أهل الملة الكبيرة بمقتضى أحكام الشريعة ، واللّه ولي المؤمنين ونصيرهم بوجه أخص ، ( وما النصر إلا من عند اللّه ) بالوجه الأعم وكذلك الأموال بجميع أنواعها ، ومنها عروض التجارة التي يرجى رواجها ويخشى كسادها ، - كلها من جوده وعطائه وتسخيره - وحبها يجب ان يكون دون حبه بل هو دون ما تقدمه من الحب وان قتن به أكثر الماديين ، وكثير من الذين حرموا تهذيب الدين ، فصارت أموالهم من أسباب شقائهم في دنياهم ، حتى أن منهم من يبخل بها عن نفسه وأهله وولده . والمساكن دون الأموال لان صاحب المال يمكنه أن يبني منها مثل ما يفقده أو خيرا منه . وقد أغنى اللّه المؤمنين الصادقين عن كل ما فقدوا أو خافوا ان يفقدوا بنبذ عهود المشركين وعودة حال الحرب بينهما ، وكذّب وهم ضعفاء الايمان ، وإيهام المنافقين لهم بأن الجهاد في سبيل اللّه سبب الكساد والخسران ، وصدق وعد اللّه للمؤمنين باستخلافه إياهم في الأرض وتمكينهم فيها وجعلهم أغنى أهلها ما داموا مهتدين به ، كما وعدهم في قوله
( 64 : 54 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ )
الخ ولو عادوا إلى تلك الهداية ، لعادت إليهم تلك الخلافة ، وان فوق جميع هذه الأنواع من حبه تعالى لفضله وإحسانه بالايجاد والامداد في الدنيا وتسخير قواها ومنافعها للناس - وحبه لما وعد به مما يشبهه ولكنه يعلوه ويفوقه من الثواب في الدار الآخرة ، نوعا آخر هو حب العبادة المحضة والمعرفة العليا . وقد بينا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 233 | الشيخ محمد رشيد رضا