تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
( 8 ) حب المساكن المرضية طبيعي أيضا ، فكم ممن لا يملك مسكنا يأويه ، أو يملك قصرا لا يرضيه ، والمراد هنا فيما يظهر واللّه أعلم ما كان لبعض المسلمين في مكة والمدينة من الدور الحسنة التي كانوا يرضونها للإقامة والسكنى بما فيها من المرافق وأسباب الراحة ويكونون في مدة خروجهم للجهاد محرومين منها - وما كان لبعض آخر في مكة يعدونها للاستغلال في أيام الموسم إذ يظهر من طبيعة الأحوال ان ذلك قديم ، وهذا النوع يكون معطلا بمنع المشركين من الحج وهو ما بلغوه من هذه السورة فهذه ثمانية أنواع من حب القرابة والزوجية والمنافع والمرافق التي عليها مدار معايش الناس ، قد كان من شأنها أن تجعل القتال مكروها فوق الكره الذي تقتضيه ذاته الوحشية وما يلزمه من مفارقة هذه المحبوبات كلها أو بعضها ، ولذلك لم يشرع إلا للضرورة التي يرجح بها الاقدام عليه على الاحجام عنه ، كما قال تعالى
( 2 : 216 كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ )
الآية « 1 » وكقوله
( 2 : 250 وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ )
« 2 » وغيرهما مما تقدم في تفسير هذه السورة وما قبلها من حكمة تشريع القتال ، وكونه بحسن القصد والشروط التي يوجبها الاسلام أعظم مزيل للفساد ، ومصلح لامر العباد ، فراجعه ان كان غاب عنك فهو يفيد في فهم ما هنا . وزد عليه ما يجب إيثاره من حب اللّه ورسوله على كل حب ، وتقديم كل جهاد في سبيله على كل منفعة في الأرض أما حب اللّه تعالى - أي حب عبده له - فهو الذي يجب أن يكون فوق كل حب لأنه سبحانه وتعالى هو المتصف وحده بكل ما شأنه أن يحب من جمال وكمال ، وبر وإحسان ، وكل من يحب وما يحب في الوجود فهو من صنعه وفيض جوده وإحسانه ، ومظهر أسمائه الحسنى وصفاته ، فمن الطبيعي المعقول أن يكون حب الوالد للولد ، وما يتضمنه من عطف وأمل ، شعبة من حب واهبه ، ومودع العطف والرحمة في قلب والديه له . وأن يكون حب الولد لوالده ومربيه عندما يعقل جزءا من حب ربه الذي سخره له ،
هامش
( 1 ) راجع ص 317 ( 2 ) ص 482 و 488 كلاهما ج 2 تفسير
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 232 | الشيخ محمد رشيد رضا