تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
على المنصفين من أهل كل ملة لحكموا للمؤمنين عليهم ، وقد بسطت في الآيات السابقة بالتفصيل المسهب الذي ليس وراءه غاية ، وانني لا أذكر أنه يوجد في الكتاب العزيز سياق فيه من الاسهاب والتأكيد والتكرار مثل ما في هذا السياق ، ولم أر فيما اطلعت عليه من التفاسير من سبق إلى ما وفقني تعالى له من بيان نكتته ، والافصاح بحكمته ، والتكرار الذي يقتضيه المقام أعظم أركان البلاغة لأنه أعظم أسباب اقناع العقل والتأثير في الوجدان . وأما الكلام في هذه الآية فهو في بيان حال جماعة المسلمين وشأنهم في الجهاد الحق الذي يتوقف عليه تمحيصهم من ضعف الايمان ، والهوادة في حقوق الاسلام ، ويقول الجمهور إن « أم » في مثل هذه الجملة هي المنقطعة التي تفيد معنى الاضراب والاستفهام ، والمراد بالاضراب هنا تحويل سياق الكلام عن بيان ما يوجب على المؤمنين قتال الكافرين من بدئهم بالقتال لمحض عداوة الايمان وأهله ، ومن نكثهم للايمان والعهود بعد ابرامها وتوثيقها وغير ذلك مما تقدم - والانتقال منه إلى ما يتعلق بحال المؤمنين أنفسهم ومالهم من الفائدة العظيمة في الجهاد الحق للمشركين . وتقدم في تفسير آية
( 2 : 214 أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ
لم
يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ )
من سورة البقرة « 1 » أن شيخنا رحمه اللّه تعالى قال إن « أم » فيها لمحض الاستفهام ، مراعى فيها معادلته لاستفهام آخر يؤخذ من سياق الكلام ، وليس فيها من معنى الاضراب شيء . ثم فصل القول في المسألة في تفسير آية آل عمران
( 3 : 142 أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )
« 2 » ورأينا أبا جعفر بن جرير قد جرى في تفسيره على أن الاستفهام في هذه الآيات في مقابلة استفهام آخر . ونفي العلم الإلهي في هذه لايات يراد به نفي المعلوم الذي هو متعلقه بالطريقة البرهانية كما تقدم تحقيقه في تفسير آية آل عمران . والوليجة ما يلج في الامر أو القوم مما ليس منه أو منهم كالدخيلة وهو يطلق على الواحد والكثير - وقد يجمع على ولائج - ويشمل السريرة الفاسدة والنية الخبيثة ، وبطانة السوء من المنافقين والمشركين وهو المراد هنا لأنه هو الذي يتخذ . والخطاب لمجموع المسلمين الذين كانوا لا يخلون من بقية من المنافقين ومرضى القلوب الذين يثبطون عن القتال . والمعنى على هذا : هل جاهدتم المشركين حق الجهاد وأمنتم عودتهم إلى قتالكم كما بدؤكم أول مرة ، وأمنتم نكث من عاهدتم منهم لايمانهم كما نكثوا من قبل ؟ وهل علمتم أنهم تركوا الطعن في دينكم وصد الناس عنه كما هو
هامش
( 1 ) راجع ص 302 - 312 ج 2 تفسير ( 2 ) ص 154 ج 4 تفسير