تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصارا للّه ولرسوله يحبون من هاجر إليهم ، ويؤثرونهم على أنفسهم ، وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ، ومقتضى العرف العام في ذلك العصر ، وعاهد ( ص ) أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون فخانوا وغدروا ، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه ، كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء ( ص 48 - 60 ) وقد عاهد ( ص ) المشركين في الحديبية على السلم والأمان عشر سنين بشروط تساهل معهم فيها منتهى التساهل عن قوة وعزة ، لا عن ضعف وذلة ، ولكن حبا بالسلم ونشر دينه بالاقناع والحجة ، ودخلت خزاعة في عهده ( ص ) كما دخلت بنو بكر في عهد قريش ، ثم عدا هؤلاء على أولئك واعانتهم قريش بالسلاح فنقضوا عهدهم ، فكان ذلك سبب عودة حال الحرب العامة معهم ، وفتحه ( ص ) لمكة ، الذي خضد شوكة الشرك وأذل أهله ، ولكنهم ما زالو يحاربونه حيث قدروا ، وثبت بالتجربة لهم في حالي قوتهم وضعفهم ، أنهم لا عهود لهم ولا يؤمن نقضهم وانتقاضهم ، كما يأتي قريبا في قوله تعالى من هذه السورة
( 7 كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ
- إلى قوله في آخر آية
12 فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ )
اي لا عهود لهم يرعونها ويفون بها . والمراد أنه لا يمكن ان يعيش المسلمون معهم بحكم المعاهدات المرعية فيأمن كل منهم شر الآخر وعدوانه مع بقائهم على شركهم الذي ليس له شرع يدان به ، فيجب الوفاء بالعهد بايجابه ، كيف وقد سبقهم إلى الغدر ونقض الميثاق ، من كانوا أجدر بالوفاء وهم أهل الكتاب هذا هو الأصل الشرعي الذي بنى عليه ما جاءت به هذه السورة من نبذ عهودهم المطلقة وإتمام مدة عهدهم المؤقتة لمن استقام منهم عليها ، واما حكمة ذلك فهي محو بقية الشرك من جزيرة العرب بالقوة وجعلها خالصة للمسلمين ، مع مراعاة الأصول السابقة في قوله تعالى
( 2 : 190 وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ )
وقوله
( 8 : 61 وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها )
بقدر الامكان ، وان قال الجمهور بنسخ هذا بآية السيف من هذه السورة ونبذ عهود الشرك وسيأتي تفصيله في تفسيرها * * * قوله تعالى
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
البراءة مصدر بريء ( كتعب ) من الدّين إذا اسقط عنه ومن الذنب ونحوه إذا تركه وتنزه عنه اي هذه براءة واصلة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، كما تقول هذا كتاب من فلان