الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ
هذه الجملة معطوفة على ما قبلها مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته ، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه ، وهو يوم الحج الأكبر وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح انه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه ويجتمع الحاج فيه لاتمام واجبات المناسك وسننها في منى . والاذان النداء الذي يطرق الاذان ، بالاعلام بما ينبغي ان يعلمه الخاص والعام ، وهو اسم من التأذين ، قال تعالى ( فأذن
مُؤَذِّنٌ
بينهم
أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ )
ومنه الاذان للصلاة . واذن بها اعلم ، وآذنه بالشيء إيذانا اعلمه به . واذن بالشيء ( كعلم ) علمه ، واذن له ( كتعب ) استمع . وأعاد التصريح في هذا الاذان بكونه من اللّه باسم الذات ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة كما صرح بهما في البراءة ، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه ، وذلك لتأكيد هذا الحكم وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه . ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله
( فَإِنْ تُبْتُمْ )
أي قولوا لهم : فان تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود ، وقبلتم هداية الاسلام
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
في الدنيا والآخرة لان هداية الاسلام هي السبب لسعادتهما
وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ
أي غير فائتيه بان تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
وهذا خطاب للنبي ( ص ) لأنه نبأ عن الغيب ، الذي لا يمكن علمه إلا بوحي اللّه عز وجل ، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الانباء إما بالتهلل واشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد ، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه ، من الكدر أو الحزن أو الخوف . وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه وان استعماله فيها بسوء ويكدر انما يقال من باب التهكم .
ثم استثنى من هؤلاء الذين تبرأ من عهودهم ، وأمر بوعيدهم وتهديدهم ، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر ، من حافظوا على عهدهم بالدقة التامة والاخلاص فقال
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ