تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
أرشدنا عز وجل في هذه الآية إلى أنه يجازى على كل صدقة وكل التزام لصدقة وبر لأن علمه محيط بكل عمل وكل قصد ، لنتذكر ذلك فنختار لأنفسنا أفضل ما نحب أن يعلمه عنا . فقوله * * *
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ
يشتمل قليلها وكثيرها سرها وعلانيتها ما كان منها في حق ، وما كان منها في شر ، ما كان عن إخلاص وما كان رثاء الناس . ما أتبع منها بالمن والأذى وما لم يتبع بشئ منهما وقوله
أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ
يأتي فيه مثل ذلك ويشمل ما كان نذر قربة وتبرر ونذر لجاج وغضب . فالأول ما قصد به التزام الطاعة قربة للّه تعالى بلا شرط ولا قيد لئلا يتهاون فيها كأن ينذر نفقة معينة أو صلاة نافلة أو بشرط حصول نعمة أو رفع نقمة . كقوله إن شفى اللّه فلانا فعلى - أو للّه على - أن أتصدق بكذا أو أقف على الجمعية الخيرية كذا والثاني ما يقصد به حث النفس على شئ أو منعها عنه . كقوله إن كلمت فلانا فعلى كذا . واتفقوا على أنه يجب الوفاء بالأول . وفي الثاني أقوال . منها أنه يجب فيه كفارة يمين بشرطه ومنها أنه يخير بين الوفاء بما التزمه وبين كفارة يمين ولا محل هنا لتفصيل القول فيما ورد وما قيل في النذر . وإنما نقول إنه التزام فعل الشئ بلفظ يدل عليه كقول الناذر للّه على كذا أو على للّه كذا أو نذرت للّه كذا . وينبغي أن يكون في طاعة لأنه لا يتقرب إليه تعالى إلا بالطاعة . فان نذر فعل معصية حرم عليه أن يفعلها . وإن نذر مباحا فعله لأن فسخ العزائم من النقص . ولذلك أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من نذرت أن تضرب بالدف وتغنى يوم قدومه بالوفاء . وقد يقال إن هذا مستحب لا مباح . وقال تعالى
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
جواب الشرط أي فإنه تعالى يعلم ما ذكر من النفقة أو النذر ويجازى عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر . فالجملة وعد ووعيد وترغيب وترهيب ثم أكد ما فيها من الوعيد بقوله
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
ينصرونهم يوم الجزاء فيدفعون عنهم العذاب بجاههم أو يفتدونهم منه بما لهم كقوله
( ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ )
أقول والظالمون في مقام الانفاق هم الذين ظلموا أنفسهم إذ لم يزكوها ويطهروها من هذه الفحشاء البخل أو من رذائل الرياء والمن والأذى وظلموا الفقراء والمساكين بمنع ما أوجبه اللّه لهم وظلموا الملة والأمة بترك الانفاق في المصالح العامة وبما كانوا قدوة سيئة لغيرهم فظلمهم عام شامل . فهل يعتبر بهذا أغنياء المسلمين وهم يرون أمتهم قد صارت ببخلهم ابخل
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 78 | الشيخ محمد رشيد رضا