تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
لمتصدق ورقة مالية لجمعية خيرية ، ولا يذكر لها اسمه أو يذكره لمن يبذل له المال ، كرئيسها أو أمينها فقط . ومن دأب الجمعيات أن تشيد بمثل هذه الصدقة بألسنة أعضائها وبألسنة الجرائد التي هي أوسع طرق الشهرة في عصرنا وأبعدها مدى ولا يبعد عن هدى الآية من يقول إن الانفاق في المصالح العامة كانشاء المدارس للتربية الملية والتعليم النافع ، وإنشاء المستشفيات والدعوة إلى الدين والجهاد ونحو ذلك يشبه إيتاء الزكاة ، فلا ينبغي إخفاؤه وإن أخفى المنفق اسمه وأن تفضيل الاخفاء خاص بالصدقة على الفقراء كما هو صريح قوله
( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ )
الخ ولم يقل : وان تخفوها وتجعلوها في سبيل اللّه فهو خير لكم : وذلك أن الصدقة على الفقير سد لخلة ، فلا يحتاج فيها إلى المباراة في الاستكثار كما يحتاج في إقامة المصالح العامة ثم إن فيها من ستر حاله وحفظ كرامته ما لا يجئ مثله في المصالح وقد ورد في حديث البخاري أن « من السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » ومن الناس من يظن إن إخفاء كل أعمال الخير أفضل من إظهارها وأنه خير للانسان أن يكون مغمورا من أن يكون معروفا بالخير مقتدى به . فأين من هذا الظن قوله تعالى
( 28 : 5 وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ )
وقوله عز وجل
( 32 : 24 وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا )
الآية وقوله في بيان دعاء عباده
( 25 : 74 وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً )
فهل يكون الامام الذي يقتدى به في الخير مغمورا مجهولا ( المبحث الثاني ) أنه أطلق في الآية لفظ الفقراء ، ولم يقل فقراءكم . فدل ذلك على أن الصدقة تستحب على كل فقير ، وإن كان كافرا فكما وسعت رحمته الكافر فلم يحرمه لكفره من الرزق بسعيه ، كذلك لم يحرم عليه الصدقة عنه عجزه عن الكسب الذي يكفيه . وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية نزلت في الصدقة على أهل الكتابين . أورد ذلك ابن جرير وحكاه عن يزيد بن أبي حبيب . والفقهاء لم يمنعوا صدقة التطوع عن غير المسلم . وإنما قالوا إن الزكاة التي هي إحدى أركان الاسلام خاصة بالمسلمين . وكذلك زكاة الفطر . ولم يمنعوا صدقة التطوع عن مسلم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 81 | الشيخ محمد رشيد رضا