الصالح . ولا شك أن من فقه ما ورد في الانفاق وفوائده وآدابه من الآيات لا يكون وعد الشيطان له بالفقر وأمره إياه بالبخل مانعا له منه ولكن الفقه في القرآن لا يكون إلا بكمال العقل وحسن استعماله في الفهم والبحث عن فوائد الاحكام وعللها ودلائل المسائل وبراهينها . فالخبر فسر الحكمة بالأخص رعاية للمقام والأستاذ الامام فسرها بالأعم بيانا لشمول هداية القرآن . فالآية باطلاقها رافعة لشأن الحكمة بأوسع معانيها هادية إلى استعمال العقل في أشرف ما خلق له . ومن رزىء بالتقليد كان محروما من ثمرة العقل وهي الحكمة ، ومحروما من الخير الكثير الذي أوجبه اللّه لصاحب الحكمة بقوله
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
فيكون كالكرة تتقاذفه وسوسة شياطين الجن وجهالة شياطين الانس ، يتوهم أنه قد يستغنى بعقول الناس عن عقله وبفقه الناس عن فقه القرآن ، بدعوى أنه جمع كل ما أوجبه القرآن مع زيادة في البيان . وقد يجد في فقه الناس أن اللّه لم يوجب عليه غير الزكاة التي لا تجب إلا بعد أن يحول الحول وهو مالك للنصاب ، وأنه إذا هو وهب امرأته ماله قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين ثم استوهبها إياه بعد دخول الحول الجديد بيوم أو يومين لم تجب عليه الزكاة . ويمكن على هذا أن يملك ألوف الألوف من الدنانير وتمر عليه السنون والأحوال لا ينفق منها شيئا في سبيل اللّه ويكون مؤمنا عاملا بفقه الناس ، ولكنه إذا عرض نفسه على القرآن وفقه ما أنزل اللّه فيه من غير تقليد ولا غرور بعظمة شهرة المحتالين المحرفين فإنه يعلم أنه يكون بهذا المنع عدوا للّه تعالى ولكتابه ، محروما من الخير الكثير الذي آتاه اللّه تعالى لأهله .
قرأنا واطلعنا على كثير من كتب الفقه التي هي عمدة المقلدين المنسوبين إلى المذاهب الأربعة . فلم نر في شئ منها عشر معشار ما جاء في القرآن الكريم من الترغيب في انفاق المال في سبيل اللّه وبيان فوائده ومنافعه وكونه من أكبر آيات الايمان والتنفبر من الامساك والبخل وبيان كونه من آيات الكفر . ولكنها تطيل فيما لم يعن به كتاب اللّه من بيان النصاب في كل ما تجب به الزكاة والحول وغير ذلك من المسائل التي تستقصى كل شئ إلا ما ينفذ إلى القلب فيجذبه إلى الرب بعد أن ينقذه من وساوس الشياطين ، ويزج به في وجدان الدين . وهذا ما أعابه الامام