تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
الغزالي على هذا العلم الذي سموه فقها . وقال : إنه ليس من فقه القرآن في شئ . فهل يصح مع هذا أن يقال إنه يمكن الاستغناء به عن فهم القرآن وفقه حكمه وأسراره ؟ ألم تر أن أوسع الناس معرفة به هم في الغالب أشدهم بخلا وحرصا حتى لا تكاد ترى أحدا منهم مشتركا في جمعية خيرية أو منفقا في مصلحة عامة أو خاصة ، بل منهم الذين يحتالون ويعلمون الناس الحيل لمنع الزكاة المعينة التي أجمعوا على أنها من أركان الاسلام . ومنهم من يصف الجمعيات الخيرية بالبدعة ويلمز أهلها في عملهم ، يعتذر بذلك عن نفسه أنه لم يقبض يده عن مساعدتهم إلا تمسكا بالشرع ومحافظة على أحكامه فإذا قيل لهؤلاء : إن صح ما تزعمون فلم لا تنشئون جمعيات خيرية لخدمة الأمة وإعلاء شأن الملة . شكوا من كل أحد إلا من أنفسهم ، على أنهم لو فعلوا لأسرع الجماهير إلى تلبيتهم لأن السواد الأعظم من المسلمين لا يزال يعتقد بأنهم هم المحافظون على الدين ، أفرأيت من لا يعمل الخير ولا يأمر به بل يصد عنه يكون قد أوتى الحكمة التي قال اللّه فيمن أوتيها إنه أوتى خيرا كثيرا ؟ أو يكون قد أوتى فقه القرآن الذي هو أخص ما فسرت به الحكمة ؟ لا نعنى بما تقدم أن علم الاحكام المعروف بالفقه لا حاجة اليه بالمرة وانما نعنى أنه لا يستغنى به عن فهم القرآن حتى في الاحكام . ثم أقول إيضاحا للمقام : إن اللّه جعل الخير الكثير مع الحكمة في قرن . فهما لا يفترقان كما لا يفترق المعلول عن علته التامة فالحكمة هي العلم الصحيح المحرك للإرادة إلى العمل النافع الذي هو الخير . وآلة الحكمة هي العقل السليم المستقل بالحكم في مسائل العلم فهو لا يحكم إلا بالدليل فمتى حكم جزم فأمضى وأبرم فكل حكيم عليم عامل مصدر للخير الكثير ولذلك قال تعالى
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
أي وقد جرت سنته تعالى بأنه لا يتعظ بالعلم ويتأثر به تأثرا يبعث على العمل الا أصحاب العقول الخالصة من الشوائب ، والقلوب السليمة من المعايب ، وهو تذييل يؤيد ما تقدم في تفسير الحكمة . فنسأله تعالى أن يجعلنا من أولى الألباب المؤيدين بالحكمة وفصل الخطاب ، ثم قال تعالى . * * *
( 270 ) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ *