تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
الخلف الذي يعطيه . وأقول إن من هذا الخلف الرزق المعنوي وهو الجاه الذي هو عبارة عن ملك القلوب فيدخل فيه ما قاله الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
فهو إذا وعد أنجز لسعة فضله . ثم إنه يعلم أين يضع مغفرته وفضله . بمثل هذا يفسرون هذه الأسماء في هذه المواضع . وأقول إن اسم
« عَلِيمٌ »
يفيد هنا أنه سبحانه يعلم غيب العبد ومستقبله . والشيطان لا يعلم ذلك فوعده تغرير ، لا يعبأ به العاقل النحرير ومن مباحث اللفظ في الآية : استعمال الوعد في الخير والشر وهو شائع لغة ، ثم جرى عرف الناس أن يخصوا الوعد بالخير والايعاد بالشر . فإذا ذكروا الوعد مع الشر أرادوا به التهكم . على أن ما يعد به الشيطان من الفقر هو على تقدير الانفاق . ويلزمه الوعد بالغنى مع البخل الذي يأمر به . ثم قال * * *
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
فيبين لنا بعد ذكر ما يعد هو جل شأنه به وما يعد به الشيطان ما نحن في أشد الحاجة إليه للتمييز بين ما يقع في النفس من الالهام الإلهي والوسواس الشيطاني . وتلك هي الحكمة . فسر الأستاذ الامام الحكمة هنا بالعلم الصحيح يكون صفة محكمة في النفس حاكمة على الإرادة توجهها إلى العمل . ومتى كان العمل صادرا عن العلم الصحيح كان هو العمل الصالح النافع المؤدى إلى السعادة . وكم من محصل لصور كثير من المعلومات خازن لها في دماغه ليعرضها في أوقات معلومة لا تفيده هذه الصور التي تسمى علما في التمييز بين الحقائق والأوهام ، ولا في التزييل بين الوسوسة والالهام ، لأنها لم تتمكن من النفس تمكنا يجعل لها سلطانا على الإرادة وإنما هي تصورات وخيالات تغيب عند العمل ، وتحضر عند المراء والجدل ، قال الأستاذ الامام ما معناه : والمراد بايتائه الحكمة من يشاء إعطاؤه آلتها - العقل - كاملة مع توفيقه لحسن استعمال هذه الآلة في تحصيل العلوم الصحيحة فالعقل هو الميزان القسط الذي توزن به الخواطر والمدركات ، ويميز به بين أنواع التصورات والتصديقات ، فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام ، وسهل التمييز بين الوسوسة والالهام . أقول : وهذا القول يتفق مع ما روى عن ابن عباس من « أن الحكمة هي الفقه في القرآن » أي معرفة ما فيه من الهدى والأحكام بعللها وحكمها . لأن هذا الفقه هو أجل الحقائق المؤثرة في النفس الماحية لما يعرض لها من الوساوس حتى لا تكون مانعة من العمل