تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 269 ) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ *
فقوله تعالى * * *
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
معناه أنه يخيل إليكم بوسوسته أن الانفاق يذهب بالمال ، ويفضى إلى سوء الحال ، فلا بد من إمساكه والحرص عليه استعدادا لما يولده الزمن من الحاجات وهذا هو معنى قوله تعالى
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
فان الأمر هنا عبارة عما تولده الوسوسة من الاغراء . والفحشاء والبخل وهي في الأصل كل ما فحش أي اشتد قبحه وكان البخل عند العرب من أفحش الفحش قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى * عقيلة مال الفاحش المتشدد « 1 »
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ
بما أنزله من الوحي وبما أودعه في النفوس الزكية من الالهام الصحيح ، والعقل الرجيح ، وفي الفطر السليمة من حب الخير ، والرغبة في البر
مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
فإنه جعل الانفاق كفارة لكثير من الخطايا وسببا يفضل به المرء قومه ويسودهم أو يسود فيهم بما يجذب اليه من قلوب من يكون سببا في رزقهم وهذا الفضل من الجاه بالحق هكذا قال الأستاذ الامام . والمأثور عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن الفضل هو ما بخلفه اللّه تعالى على المنفق من الرزق . ويؤيده قوله تعالى
( 34 : 39 وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )
وفي حديث الصحيحين « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا » أي تلفا لماله بأن يذهب حيث لا يفيده . ومعنى هذا الدعاء عندي : أن من سنة اللّه أن يخلف على المنفق بما يسهل له من أسباب الرزق ويرفع من شأنه في القلوب ، وأن يحرم البخيل من مثل ذلك . وعلى هذا يكون وعد اللّه تعالى بشيئين أحدهما لخير الآخرة وهو المغفرة والثاني لخير الدنيا وهو
هامش
( 1 ) اعتام الشئ اختار عيمته والعيمة بالكسر خيار المال وكذلك العقيلة خيار الشئ والفاحش البخيل جدا والمعنى أن الموت يختار أفاضل الكرام ويصطفى خيار أموال البخلاء المتشددين في الامساك والحرص ، من اصطفى الشئ أخذ صفوه أي خياره ، أي يتحرى ما تشتد اليه حاجة أهله
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 74 | الشيخ محمد رشيد رضا