تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
بالطيبات والخبيث ما ذكر لكان الخطاب مبنيا على أن أموال المؤمنين فيها الحلال والحرام وكان منطوق الآية أنفقوا من الحلال ولا تتحروا جعل صدقاتكم من الحرام وحده ومفهومها جواز التصدق بالحرام أيضا وهذا ما يأباه النظم الكريم ، والشرع القويم ، ثم إن ما اخترناه مؤيد بقوله تعالى :
( 3 : 92 لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )
وبوصف الرزق بالحلال والطيب معا في آيات كثيرة وبمثل قوله تعالى :
( 5 : 5 الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ )
وقوله :
( 7 : 17 وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ )
والآيات في هذا المعنى كثيرة . فهل تقول إن المعنى يحل لهم الحلال ويحرم عليهم الحرام وهو من تحصيل الحاصل ؟ واعلم أن الخبيث الذي حرم أخص من الخبيث الذي ينهى عن تحرى التفقه فيه ، فان المحرّم ما كانت رداءته ضارة كالدم ولحم الخنزير . وأما قوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
فهو حجة على من ينفق الخبيث في سبيل اللّه تشعر بالتوبيخ والتقريع ، أي كيف تقصدون الخبيث منه تتصدقون ولستم ترضون بمثله لأنفسكم إلا أن تتساهلوا فيه تساهل من أغمض عينيه عنه فلم ير العيب فيه ؟ ولن يرضى ذلك لنفسه أحد إلا وهو يرى أنه مغبون مغموص الحق . وقد صوروه فيمن له حق عند امرئ فرد عليه بدلا عنه مما هو دونه جودة وهو يكون في غير الحقوق أيضا فالردىء لا يقبل هدية إلا باغماض فيه وتساهل مع المهدى ، لأن إهداء الردىء يشعر بقلة احترام المهدى اليه ، وما يبذل في سبيل اللّه وابتغاء مرضاته هو كالمعطى له فيجب على المؤمن أن يجعله من أجود ما عنده وأحسنه ليكون جديرا بالقبول . فان الذي يقبل الردىء مغمضا فيه إنما يقبله لحاجته إلى قبوله واللّه تعالى لا يحتاج فيغمض ولذلك قال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
فلا يصح أن يتقرب اليه بما لا يقبله لرداءته إلا فقير اليد أو فقير النفس الذي لا يبالي أن يرضى بما ينافي الحمد كقبول الردىء الذي يدل على عدم التعظيم والاحترام وأما نوع ما ينفق فهو بعض ما يجنيه المرء بعمله ككسب الفعلة والتجار والصناع وبعض ما يخرج من الأرض من غلات الحبوب وثمرات الشجر والمعادن والركاز وهو ما كان دفن في الأرض قبل الاسلام . وقد أسند اليه تعالى ما يخرج من الأرض مع أن للانسان فيه كسبا لأن العمدة فيه فضل اللّه تعالى لا مجرد حرث